فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 2255

فهذا إسماعيل مظهر، يرى بأن الإنجاز الأهم في سبيل تحقيق التقدم هو"نقض العقلية الغيبية"، ويسميها أيضًا"العقلية الشرقية"، فهي سبب التخلف، ذلك أنها"لا تلائم مزاج هذه الحياة"، كما أنها"لا تتسق وحاجات هذه الحياة الدنيا"، وهي"تلائم من كل نواحيها الحياة الأخرى، نكران لكل مطالب الحياة، وتواكل على القضاء والقدر، واستسلام صرف لما سوف يأتي بها الغد، وإغفال محض لمواعظ الماضي وعظاته" (128) .

ولم يفتأ ينادي بالمصريين أن يتخلصوا من"الأسلوب الغيبي"في التفكير، وأن ينتقلوا إلى"الأسلوب اليقيني"، بل إن مصر -برأيه- خطت في سبيل الخروج من ظلمات الأسلوب الغيبي إلى وضح الأسلوب اليقيني، وهذه الخطوة"سوف تقودنا سعيًا إلى ميدان يتصادم فيها الأسلوبان تصادمًا يثير في جو الفكر عجاجة ينكشف غبارها عن الأسلوب الغيبي وقد تحطّمت جوانبه واندكت قوائمه، وتترك الأسلوب اليقيني قائمًا بهامة الجبار القوي الأصلاب مشرقًا على الشرق، وقد هبّ من رقاد القرون ليسير في الدرب الذي مهدت سبله للأنام نواميس النشوء والارتقاء" (129) .

ووقف إسماعيل مظهر حياته للترويج للنظرية التطور الدارونية، منذ أن أصدر كتابه"ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء"كما سخّر مجلة"العصور"، للدعوة للفكر الإلحادي، وتقديمه للقارئ في إطار الدافع عن حرية الفكر والعقيدة وحرية الرأي والتعبير.

وحدد إسماعيل مظهر وجهة"العصور"في افتتاحية العدد الأول، بأنها مكرّسة للدفاع عن الفكر الحر، متحررة من جميع الآراء والنظريات المسبقة، التي طالما قيّدت الكتّاب ومنعتهم عن قول الحقيقة بحرية، وأن هدفها النهائي التنديد بأنماط الفكر الدينية والتقليدية (130) .

ويؤكد د. طه حسين على ضرورة اقتباس"العقلية"ويعني بها طريقة التفكير عند الغرب (131) ، والإعلاء من شأن العقل وسلطته، في مواجهة أية سلطة أخرى، والنظر إلى كل الأمور نظرة عقلية.

وقد أكد د. هيكل على هذا المضمون بتأكيده أن"العقل والعلم"، هما السبيل لتحقيق السعادة التي تنشدها الإنسانية عمومًا، ولذلك فإن كل الشؤون الروحية والأخلاقية والاجتماعية يجب أن تخضع لسلطة العقل والعلم، واعتبارها المرجعية الحاكمة لكل تصرفاتنا (132) ، مبعدًا أي دور للدين في صياغة هذه المرجعية.

ويتفق محمد زكي عبدالقادر مع هذه الدعوة، فينبّه إلى"أن نهضتنا ينقصها الروح العلمي، وما دامت كذلك فهي نهضة عرجاء فقدت الجانب المنتج، وبقيت لها المظاهر التي لا تقدم ولا تؤخر شيئًا"، ويشير إلى أوروبا -رمز الإلهام- واحترامها للعلم والعلماء، إذ نجد أن"الروح العلمي متغلغلًا عميقًا لا بين طبقة معينة أو في بيئة خاصة، ولكن بين جميع الطبقات، وفي كل البيئات"وهذا -عنده- يقف وراء"نهضة حقّة تقوم على دعائم ثابتة" (133) .

أما إسماعيل مظهر داعية نظرية التطور؛ فإنه يدعو إلى جعل العلم أساسًا للنهضة، لأن"العلم حر مطلق من القيود، لا يؤمن إلا بعد شك، فإذا آمن كان إيمانه راسخًا وطيدًا، هذا خلق العلم، وهذا هو الخلق الذي يغرسه الإيمان الثابت بكل ما ينزل من العقل منزلة الاحترام والتقديس".

كما أنه مؤمن بأن"من شأن العلم أن ينظم العقل وينظم الشهوات وينظم المطامع. ذلك بأن العلم يقوم على حقيقة أساسية هي تنظيم الصلات القائمة بين الحقائق تنظيمًا يحدد لكل حقيقة منها موضعها الخاص الذي تشغله في نظام الأشياء"وهو يتخذ من شعار"العلم"سبيلًا للدعوة لاتخاذ نظرية التطور منهجًا للإصلاح الاجتماعي، إذ يقول"على أن الشرق إن أراد أن يخطو إلى الأمام خطوات واسعة إلى الأمام في سبيل الارتقاء الحقيقي وأن يضرب في معارج التطور الثابت نحو حالات أسعد وأفضل، فإن من واجبه أن يجعل السياسة تابعة للعلم الاجتماعي، القائم على حقائق العلم الطبيعي"وتوضيح ذلك، قوله:"فلا بد إذن من أن نربط بين السياسة وبين العلم، وأن نحكم الصلة بين السياسة وبين منهج اجتماعي نتخذه إمامًا تأتمّ به السياسة في الإصلاح المدني"ولمزيد من التوضيح"فإن الجماعات الإنسانية باعتبارها كائنات حية من ناحية، وباعتبارها كائنات ذات نظام اجتماعي من ناحية أخرى، قد تصدق عليها حقائق علوم الأحياء مطبقة عليها تطبيقًا خاصًا، كما تصدق على بقية الأحياء الأخرى."

ولا أخال أن مفكرًا متزن التقدير يُنكر أن اتخاذ أسباب العلم وسيلة للإصلاح الاجتماعي، هو السبيل التي تؤدي بأمم الشرق إلى وضع قواعد ثابتة تنتحيها في التدرج نحو مثلها العليا.

والمحصل أن الإصلاح الاجتماعي في أمم الشرق، ينبغي أن يُعهد به إلى علماء اتصلوا بعلوم الأحياء وعلوم الاجتماع" (134) ."

لكن د.هيكل وضمن سياق المراجعات الفكرية الذي اختطه لنفسه منذ نهاية العشرينيات، يعود إلى الاعتذار عن الأسلوب الإقصائي الذي انتهجه حيال دور الدين في صياغة المجتمع المنشود، إذ يصرح"أشعر اليوم بأن ما تخيَّلته في زمن من الأزمان عن العلم التجريبي واقتداره المطلق على حل كل ألغاز الكون، والحلول بذلك في نفس الجماعات، محل الإيمان ، ليس يبلغ من نفسي إلى مكان العقيدة واليقين، بمقدار ما كان يبلغ في صدر شبابي"لذلك فهو يدعو إلى إعادة الاعتبار إلى الإيمان، وإلى"الجانب الروحي"في تكوين الفرد والجماعة، ويطالب بوجوب"أن نبحث الإيمان على أنه واقعة اجتماعية لا حياة للجماعات بدونها"، فالمطلوب إذًا هو التوفيق بين"العقل والروح"، لكن ما هو دور الروح في هذه التوفيقية؟ دور الدين هو تحقيق الراحة النفسية للإنسان من أعباء الحياة وهمومها ليس أكثر،"لابد إذًا من مَثَل أعلى تؤمن به الجماعة وتجد من تطلعها إليه وهيامها به ما يُنسيها ما في الحياة من هم وبأساء" (135) .

وهذا ما عبّر عنه في وقت لاحق أحمد أمين، وهو يكشف"أكاذيب المدنية الحديثة"، مؤكدًا أن أخطرها كان الفصل بين "الجانب المادي، و"الجانب الروحي"ولذلك لابد من إقامة التوازن بينهما (136) ."

وتحدّث د. هيكل عن ما يُعانيه الغرب من أزمة روحية، وقلق نفسي، جراء شيوع المادية وثقافة الإلحاد، وتعاطف مع مشكلة الفراغ الروحي لدى الغرب، وتمنى لها نهاية سريعة، ولعل الشرق بميراثه الروحي العظيم يُسهم في ذلك (137) .

3-الدعوة إلى التغريب:

آمن الليبراليون المصريون بضرورة أتباع نهج الحداثة الغربية، كسبيل لصنع التقدم، وتحقيق النهضة المنشودة، وقد أجمع هؤلاء على اعتبار النموذج الغربي نموذجًا جديرًا بالمحاكاة (138) .

والحقيقة أن الفكر العربي الحديث منذ مطلع القرن التاسع عشر، تقبّل فكرة"أوروبا النموذج"، واعتبر الغرب مصدر الخطر ومصدر الإلهام معًا، يثير الإعجاب كما يثير الغضب، ويثير الكره كما يثير الحب (139) .

فالإجماع منعقد على ضرورة الإفادة من تجربة الغرب الحضارية، وأن ليس هناك ما يمنع من الاقتباس عنها، فعلومها هي في الأصل علوم إسلامية (140) ، وهي بضاعتنا رُدّت إلينا، فالغرب أفاد من حضارتنا، ولا ضير من أن نفيد من حضارته، وحضارته لا تخصه وحده، بل هي جزء من الإرث البشري أو أحد نتاجاته (141) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت