فهرس الكتاب

الصفحة 608 من 2255

والأمثلة كثيرة على تضليل البرامج الحزبية المنشورة للناس وبعدها عن الواقع والتطبيق، ولو أن أقل القليل مما وعدت به برامج الأحزاب قد حققته هذه الأحزاب وهي في مواقع السلطة لما احتاج الدعاة اليوم للمطالبة بأي إصلاح للأحوال!! ألم تصل الكثير من الأحزاب الديمقراطية الشعبية الخ... هذه التي دعا إلى تكوينها الرزاز وغيره إلى سدة الحكم؟ ألم يشغل مفكرو هذه الأحزاب ومنذ تلامذة الأفغاني أمثال عبده وقاسم أمين ولطفي السيد وسعد زغلول وبعدهم طه حسين وكثير غيرهم حتى يومنا هذا مناصب فكرية وسياسية واقتصادية وتربوية الخ... وسيطروا على ساحة الفكر والسياسة معًا؟ فهل حققوا برامجهم وشعاراتهم ووضعوها موضع التنفيذ؟ ألم يهدر هؤلاء الدعاة الحرية قبل غيرهم؟ ألم يطأوا بأقدامهم الثقيلة على صدور أفراد هذه الأمة -المبتلاة بهم- حتى لا يتنفسوا إلا بمقدار ما يسمحوا لهم به؟ مما جعل الأستاذ فتحي رضوان -رحمه الله- يصيح بعدد من المفكرين المتباكين على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد العربية، الذين اجتمعوا في ليماسول في قبرص ليتدارسوا ما آلت إليه أحوال الأمة، وبعد أن ذكرهم بملاحم التضحية والفداء التي سيطرتها أجيال سابقة من أبناء الأمة: اتهمهم بقتل الحريات وانتهاك حقوق الإنسان لأنهم عندما كانوا في مقاعد السلطة نسوا وتناسوا حقوق الإنسان لمعارضيهم وشاركوا في انتهاكه .

والآن وبعد أكثر من مائة عام على بداية الدعوة للديمقراطية وحرية الفكر على الطريقة الأوروبية وبعد أكثر من أربعين عامًا على دعوة الرزاز أعلاه، سيطر خلالها الدعاة أنفسهم على الساحة بكل ما فيها، فكريًا وسياسيًا، ماذا تحقق للمواطن العربي من الديمقراطية والحرية؟ ماذا حصل من حقوق؟ ألم تهدر حقوقه بأكثر مما كان يحدث قبل الدعوات؟

الآن وبعد أكثر من مائة عام على دعوة الديمقراطية والحرية وفي عام 1989 يشهد مجلس الشعب المصري صدامًا عنيفًا بين نواب الأغلبية والمعارضة تحول إلى اشتباك بالأيدي ، وفيه حاول وزير الداخلية ضرب النائب!!! من كثرة الديمقراطية والحرية الفكرية! والثقافة الحوارية !! ) .

وهم لانبهارهم لم يروا ما رآه محمد مزالي مثلًا من حقيقة الديمقراطية الأوروبية إذ قال:"في الظاهر تتمتع أمريكا والبلاد الأوربية بحريات وتعدد أحزاب وانتخابات وجرائد متصارعة مما يبدو وكأن الأمر على أحسن ما يرام ولكن إن تعمقنا بكل ذلك، حينئذ فقد ندرك أن سلطان الأغنياء ورؤوس الأموال لا يزال قويًا ومؤثرًا في مجريات الأمور"ويضرب مثلًا فرنسا -الجمهورية الرابعة- حيث كل كتلة كانت تؤثر على الحكومة وتسير الانتخابات والنواب بحسب مصالحها فيتفوق المزارعون تارة والتجار طورًا والشغالون أخرى... والصحافة التي يقال عنها حرة تخضع في الغالب لمراكز قوة رأسمالية جشعة ، أو مذهبية متعصبة ، ومن المعروف أنها تمول بالإشهار الذي كثيرًا ما يزدري بالأخلاق والتربية ولا يقيم وزنًا للمصلحة العليا أو تعيش بالمنح الخفية"ويتساءل فيقول:"فهل أنا حر حقيقة في اختياراتي وفي مواقفي، وأنا ومنذ صغر سني ومنذ عهد الدراسة أتأثر من حيث لا أشعر بنظريات وشعارات ومعلقات وأفلام وجرائد لا تخدم دائمًا مصلحة العامة ولا تقر حسابًا للأخلاق ؟!

أما عن الانتخابات فهو يرى أن إعطاء كل فرد صوتًا في الانتخابات شيء جميل نظريًا ولكنه في الواقع يؤدي إلى سيطرة عديمي الكفاءة ؛ فالتصويت يستوي فيه الجاهل والمثقف الواعي .والسياسيون المتزعمون قيادة الأمة يُقدمون على كل شيء ويعدون بكل شيء يجلب أصوات ما دامت المسألة أصوات وأغلبية .ويستشهد بقول مونتسكيو: إن الديمقراطية لا تنجح إلا إذا اقترنت بالفضيلة ؛ أي أن السياسة تقتضي الأخلاق ، ولكنه يرى أن شرط اقترانها بالأخلاق والفضيلة يسقط أهميتها ، ويساويها بالحكم الفردي ؛ لأنه"مع وجود الأخلاق سيكون أي حكم سيكون جميلًا، ديمقراطيًا أو غير ديمقراطيًا. وتبقى للحكم الفردي في هذه الحالة الأفضلية لأنه لإصلاح الحكم الفردي، يتطلب الأمر إصلاح أخلاق فرد أما الحكم الجماعي فيتطلب الأمر إصلاح مجموعة كبيرة".

فالديمقراطية كما يراها البعض لها أنياب ومخالب وأنها أشرس من الدكتاتورية، وقد شكا الكثير من الغربيين من زيف الديمقراطية التي توجهها قوى ظاهرة وخفية لمصالح فئات معينة ، ولكن النهضويون عنها غافلون!!

وهم لانبهارهم أيضًا لم يتتبعوا نشأة هذه الحضارة وديمقراطيتها التي بدأت بالقتل وإبادة الالآف من البشر . فهناك أبحاث تقدر الضحايا من الأفارقة خلال الثلاث مائة عام الممتدة من 1600 إلى 1900 بأكثر من مائة مليون مستعبد بكل ما تحمله كلمة العبودية من معنى ، وقتيل في المعارك ومن سياط التعذيب والاختناق في أقبية السفن التي تمخر عباب المحيط الأطلسي، هذا غير استعباد أو إبادة ملايين بل عشرات الملايين من الهنود الحمر في الأمريكيتين ، وتقدر الإحصاءات أن عدد الهنود الحمر الذين أبيدوا في عصر النهضة الأوروبية هذه يفوق مائة مليون إنسان، هذا بالإضافة إلى مئات الألوف وربما ملايين الضحايا التي تكبدتها بلدان آسيا المختلفة بعد أن انطلق الوحش الأوروبي ليحرر العالم!! مضافًا إلى كل ذلك إبادة سكان أستراليا والكثير من جزر المحيط الهندي. كل هؤلاء قتلوا أو استعبدوا باسم نشر الحرية والديمقراطية وإخراجهم من الهمجية!!

فهل أخذ النهضويون الذين أرادوا لنهضة الأمة العربية أن تكون مثل نهضة أوروبا وأن تكون ديمقراطيتها مثل ديمقراطية أوروبا كل هذا بنظر الاعتبار على أنه جزء من هذه الحضارة وقيمتها وأهدافها وتوجهاتها؟ وهؤلاء الذين يرون عصر النهضة الأوروبية هو العصر الذي انتقل فيه الأوروبي من العبودية إلى المواطنية! كيف نظروا إلى عبودية هذه الملايين وخاصة منها عبودية أمتهم العربية واستعمارها؟!! وكيف برروها ؟

إنهم لانبهارهم لم يروا من الديمقراطية الأوروبية إلا ما أراد لهم الأوروبيون رؤيته. فهم رأوا من الثورة الفرنسية -مثلًا- شعاراتها فقط: الحرية والإخاء والمساواة، ولكنهم لم يروا ما كانت تخفي هذه الشعارات وراءها من وحشية وسفك للدماء جعل الفرنسيين أنفسهم وبعد مائتي عام يشعرون بالخجل مما حدث فيها من مآس وسفك لدماء الأبرياء، فقد حرر الثوار سبعة مساجين من الباستيل بكل تلك الضجة التي أثاروها حوله ولكنهم قتلوا (25) خمسة وعشرين ألفًا من عامة الناس، لا يزيد عدد النبلاء ورجال الكنيسة منهم عن (10%) عشرة في المئة !! وسحق الثوار الأحرار، مؤسسو الحرية والديمقراطية! المعارضة للثورة بعد ذلك وفي كل مكان من فرنسا بوحشية لا يمكن وصفها، يدل عليها ما كتبه أحد ضباط الجيش الجمهوري عام 1793 إلى رؤسائه يشرح لهم كيف عامل الثوار المعارضين في فائدتين فقال: إنه سحق الأطفال تحت حوافر جواده وقتل النسوة حتى لا ينجبن مزيدًا من المنشقين المعارضين ، وإنه لم يأخذ سجناء، بل محا كل شيء، وقد قُتل من رجال الكنيسة في تلك الحوادث وفي تلك المنطقة بالذات مالا يقل عن ألفي رجل ، وقتل قبلها في باريس وحدها 191 رجل في سجن كارمي عام 1792 .

ومما ينسب إلى نابليون قوله"إن أي رجل يفكر هو عدوي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت