فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 2255

إن كان على أساس مصلحة الشعب مقابل العمل المخرب؛ فهذه كلمات لها مفاهيم تختلف باختلاف عقائد الأحزاب المختلفة وبرامجها وأهدافها وانتماءاتها الخ.. فالمتغربون مثلًا يرون مصلحة الأمة في الانفتاح التام على الغرب وغيره تخريب، والشيوعيون يرون مصلحة الأمة في الانفتاح على روسيا ودول الكتلة الشرقية والانغلاق على الغرب ويرون غير ذلك تخريبًا يجب مقاومته! وأصحاب التراث يرون الانغلاق على ذات الأمة وتراثها وبناء نفسها بنفسها هو ما يحقق مصلحة الأمة وغير ذلك كله باطل وتخريب . فكيف إذا تكون الحرية لمن يعمل لمصلحة الأمة وليس للمخرب؟!! ومن هو المخرب؟

وهل صحيح أننا أخذنا من الديمقراطية الغربية قشورها وتركنا لبها ؛ لأن الذين تزعموا طيلة نصف قرن وحتى الخمسينات وحدوث الثورات رجال لهم مصالح وعصبيات؟ أم أن الديمقراطية الغربية هي التي أخذها هؤلاء بقشرها ولبها، إن كانت تحتوي على لب أصلًا .

وهل أقام الديمقراطيات في أوروبا إلا المصالح وأصحاب المصالح الذين لا يزالون يديرونها ويوجهونها لما يحقق هذه المصالح؟ حتى إن أديب إسحق المعجب بالديمقراطية الغربية ذكر هذا الأمر فقال:"... محافل الشورى والندوات، مجالس نواب يتصرفون في أمور الأمة نقضًا وإبرامًا، فيضعون مع وكلاء الدولة ما شاؤوه من القوانين ويعدلون منها ما يريدون، بل ربما قضوا على موكليهم بحرب تنحى على أموالهم بالنهاب وأرواحهم بالذهاب، أو انقادوا لأصحاب القوة الإجرائية ودانوا لهم مستعبدين الأمة معهم، كما جرى خلال المسألة الشرقية في كثير من الممالك الشورية"وذكر حكومة الشورى في الدول الأوروبية فقال:"إن هذه لا تلبث أن تنقلب شر منقلب كما جرى لحكومة لويس السادس عشر، وشارل العاشر، ونابليون الثالث في فرنسا ؛ فإن حكومات هؤلاء الملوك وإن وسمت بالشورية ظاهرًا، فقد كانت استبدادية باطن ..."

وقد شهد شاهد من أهلها! وهو ونستون تشرشل، إذ قال في بيان عام 1932، منتقدًا النظام الديمقراطي:"إن الانتخابات حتى في أكثر الديمقراطيات ثقافة تعتبر بلية ومعرقلة للتقدم الاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي، وحتى خطرًا على السلم العالمي، ثم تساءل: لماذا ينبغي علينا في هذه المرحلة أن نفرض على شعوب الهند الجهلة ذلك النظام الذي تشعر بمزعجاته اليوم حتى أكثر الأمم تقدمًا، الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإنكلترا نفسها؟ وقال في مكان آخر عن إنكلترا: تبين جميع التجارب أنه عندما منح حق الانتخابات للجميع، وتحقق ما يسمى بالديمقراطية الكاملة، تحطم النظام السياسي برمته بصورة سريعة ."

وتشرشل نفسه كزعيم لنظام ديمقراطي كان لا يقيم وزنًا للحزب أو يرى حاجة لاستشارة مؤيديه. وكان يعتبر الحزب وسيلة تمكنه من القفز إلى السلطة وليس كجمعية ينبغي عليه أن يخدمها . وكان يعتبر الأحزاب ضرورية مثل ضرورة الحصان للفارس، وقد ذكر البعض أن الحزب لروح تشرشل المتغطرسة هو مجرد أداة، ولذلك تخلى عن حزب المحافظين لينضم إلى الأحرار، ولكنه لم يلبث أن عاد إلى صفوف المحافظين... بحسب ما يحقق مصالحه ويضمن له موقعًا في السلطة، وقد كان مستبدًا برأيه لا يسمح لرأي أحد حتى إن بيفر بروك قال:"عندما يكون تشرشل على رأس التيار فإنه يحمل معه صفاة الطغاة". وقد عاش تشرشل من أجل الأزمات وأفاد منها وعندما لا يكون ثمة أزمة كان يعمل على افتعالها ليفيد منها ويحقق طموحاته في المال والشهرة من خلالها ، وقد كان ضعيفًا أمام إغراء المنافع الذاتية ، وكانت خدمته للشعب البريطاني محدودة، وقد استخدم الكلمات كما لو أنها أسلحة فعالة، وكان كذلك عبدًا لهذه الكلمات... ولطالما ضحى بأناس في سبيل العبارات الرنانة، وتحقيق طموحاته التي من أجلها كان وهو بعيد عن مواقع السلطة يوجه الانتقادات العنيفة إلى الوزراء في العلن، ويبدي عروضًا للتعاون في السر... حتى اعتبره البعض عقاب الشعب الإنكليزي !!

ومرة أخرى: هل صحيح أننا أخذنا من الديمقراطية الغربية قشورها وتركنا لبها؟ فأي لب مما ذكره أعلاه لم نأخذه ؟

وحرية التفكير نفسها أين حدودها؟ فالتبشير بمبدأ سياسي يتبناه حزب معين ومهاجمة ما عداه أو التقليل من شأن سواه ألا يعني هدرًا لحرية التفكير عند الآخرين أو على الأقل تدخلًا فيه؟ وإن لم يكن كذلك فلماذا إذًا تعتبر الدعوة إلى التمسك بالدين وبالتراث ومهاجمة الأفكار التي تهدم الإيمان به والعمل بدستوره حجرًا على حرية التفكير عند الآخرين وعبودية لابد من التحرر منها؟.

يقول الأستاذ الرزاز:"إن الحزب آلة لتثقيف الشعب ووسيلة لتوجيهه وحصر آرائه"فهذا الحصر والتوجيه ألا يهدر حرية التفكير عنده؟ فمرة أخرى، أين حدود الحرية الفكرية عندهم؟ ثم ماذا يحدث عندما يكون هناك عشرة أحزاب -ولا نقول عشرين- فيكون للشعب عشرة آلات للتثقيف والتوجيه بثقافات وتوجيهات مختلفة؟ ولكل منها شعاراته!!!

ويرى الرزاز أن الأحزاب هي مدارس لأفراد الشعب... يكسبون منها أكثر مما يكسب الحزب نفسه . فهل للحزب في نظره كيان ومكاسب تختلف عن تلك التي للشعب بجميع تشكيلاته؟ وما هي المكاسب التي يحصل عليها الفرد من الحزب بعيدًا عن مكاسب الحزب نفسه؟ وإن كان للأفراد مكاسب يحققها هذا الحزب أو ذاك من الأحزاب الجديدة التي يدعو إلى تشكيلها الرزاز، فما الفرق إذًا بينها وبين الأحزاب التي يريد تنحيتها بحجة أنها تتجه إلى تحقيق مصالح أعضائها وأنصارها الشخصية؟ وماذا عن عامة الناس من غير المنتسبين للأحزاب؟ من يحقق مصالحهم؟!

ويرى أن الأساس في الديمقراطية أن يكون الفرد قادرًا على تعيين اتجاهه بالنسبة للقوانين ، وأن التعليم وتحرره السياسي والاقتصادي يساعده ويسهل عليه ممارسة الديمقراطية، فكيف يتم تحرره السياسي وهو مرتبط بهذا أو ذاك من الأحزاب وملتزم بمبادئها وبرامجها ؟ خاصة إن كانت هذه الأحزاب من التي تعتبر الرجوع عنها مسألة تستحق الاضطهاد على الأقل إن لم يكن التصفية النهائية؟ وكيف يوفق هو وغيره من الدعاة بين مسألة التحرر الاقتصادي وذلك النوع من الاشتراكية الذي يدعون له ، والذي يجعل كل وسائل الإنتاج والخدمات بيد الدولة ويجعل الفرد عبدًا لأهوائها؟ وأهواء الحزب الحاكم الذي يخدم مصالح أعضائه من دون غيرهم كما أكد الرزاز نفسه في قوله إن الفرد يستفيد من الحزب أكثر من الحزب؟!!

ويرى أن وجود الأحزاب الديمقراطية الشعبية ذات البرامج الموضوعة والمنشورة يساعد الفرد أيضًا على ممارسة الديمقراطية . فهل يا ترى أن هذه البرامج المنشورة هي برامج حقيقية أم هي مجرد تضليل؟ وكم من الأحزاب تمسك بهذه البرامج وعمل بموجبها؟ سواء أكان خارج السلطة أو ممسكًا بزمامها!!

فعندما كان يتحدث خالد بكداش عن الحرية والديمقراطية كان يتحدث كما يقول مجيد خدوري بأسلوب يغري كثيرين من الشباب بالانضمام إلى الحزب سعيًا وراء هذين المبدأين ، ولشد ما تكون دهشتهم حين يكتشفون أن ليس للحرية ولا للديمقراطية وجود تحت قيادة بكداش. وذلك لأنه كان فضًا مستبدًا مما حمل كثيرين على ترك الحزب...، وكان الحزب الوطني الديمقراطي في العراق يتمسك في برنامجه المنشور بالديمقراطية وحرية الفكر وإفساح المجال للتبشير بمختلف المبادئ والمذاهب السياسية ، ولكن أحد أعضائه المتمسكين بالبرنامج طلب إخراج كل من يبشر بالمذهب الماركسي من الحزب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت