1.إن مما يشكو منه كثير من الموظفين في الدوائر الحكومية أنهم لا يعرفون كيفية إجراء أي معاملة أو ليس لديهم دليل لمثل هذه الأمور، كما لا يعرف حقيقة ما له وما عليه فليس هناك في أي مؤسسة دليل للأنظمة والإجراءات أو توصيف حقيقي للوظائف بينما أخذت الخطوط السعودية عن الشركات الأمريكية هذا الأمر ففيها ما يسمى دليل الأنظمة والإجراءات Manual of P صلى الله عليه وسلم ocedu صلى الله عليه وسلم es and P صلى الله عليه وسلم actices (MP&P) هذا الدليل يحدد طريقة إجراء كل المعاملات في الخطوط السعودية الخطوط"وهو بلا شك ييسر العمل في الخطوط فكل إجراء له خطوات محددة لا بد من اتباعها. كما أنه يحدد طريقة وضع أي توصيف لأي وظيفة فيبين حدود الواجبات والصلاحيات. كما أن العلاقات بين الموظفين ورؤسائهم تخضع كثيرًا لنظام الخدمة المدنية الذي لا يعرفه معظم الموظفين. ولا بد أن أرامكو والشركات التابعة لها فيها مثل هذه الأدلة التي توضح الإجراءات."
ومن النماذج الأخرى التي يمكن أن يكون لنا فيها دروس جيدة ما يأتي:
* البريد الداخلي للخطوط السعودية . لابد أن الخطوط السعودية قد أخذت بهذا النظام من شركة تي دبليو إي TWA الأمريكية . وهذا البريد يتطلب وجود أظرف عليها العديد من الخانات فتوضع الرسالة في الظرف ويكتب عليه اسم الإدارة ومركز التكلفة ، ثم إذا وصل إلى الإدارة المعنية وأرادت إرسال خطاب إلى جهة ما شطبت الاسم الموجود وكتبت الاسم الجديد. ولعل البريد الإلكتروني هذه الأيام حل كثيرًا مشكلة إرسال الخطابات بين الإدارات، وربما حلّها أيضًا وجود الفاكس.
وفيما يتعلق بالبريد أيضًا فإن الخطوط السعودية ولها في جدة ما يزيد على عشرة آلاف موظف ليس لديها سوى صندوق بريد واحد أو اثنين هما 620 و167 بينما لبعض الجامعات أو حتى الصحف عدد من الصناديق.
وإذا وصلت مادة بالخطأ إلى جهة فإنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل إيصالها بسرعة إلى الجهة الصحيحة. فلو حسبنا عشرين صندوق بريد في إحدى الجامعات فإنها تحتاج إلى إرسال عشرين مراسلًا خمسة مرات في الأسبوع لكان لدينا مائة مشوار فكم ستكلف مثل هذه المشاوير من جهد بشري واستهلاك بنزين وسيارات وجهد موظفين في البريد وأجور وغير ذلك.
* الجامعات وتسهيل الإجراءات: تعرفت في أثناء بحثي للماجستير والدكتوراه على الإجراءات الميسرة في المكتبات الأجنبية في أوروبا وأمريكا بينما مازلنا نعيش تعقيدات لا أول لها ولا آخر. فحين ذهبت إلى المكتبة الوطنية في بلد عربي كان لابد من مقابلة أمين المكتبة الذي لا يحضر إلاّ متأخرًا وقد لا يحضر بعض الأيام. وبعد اللقاء وقيامه بالتحقيق معي حول بحثي أعطاني التصريح بالاطلاع على المواد التي أرغب الاطلاع عليها. أما في المكتبة الوطنية في باريس فهناك موظفة قريبة من الباب تطلع على ما لديك من وثائق ثم تعطيك التصريح اللازم.
أما بالنسبة للوثائق ففي مديرية الوثائق يوجد عناوين للوثائق في كل علبة ولا يسمح لك بالاطلاع على العلبة كاملة بل تعطى وثيقة واحدة في كل مرة. أما في الأرشيف الوطني الفرنسي لما وراء البحار فكان الأمر أسهل بكثير حيث تعطى العلبة كاملة تتصفحها وتصور ما تشاء.
* سكرتارية الأقسام العلمية في الجامعات: يمكننا أن نتعلم من الغرب في المجال الجامعي حيث لكل قسم سكرتارية تقوم بخدمة الأستاذ من حيث المراسلات واستقبال المكالمات وترتيب المواعيد وطباعة بعض الأوراق أو تصوير الأوراق. فما ذا يحصل الأستاذ الجامعي في جامعاتنا؟ إنني أستغرب أن بعض الجامعات في الطفرة اهتمت بشراء المكاتب الفخمة والإنفاق على بعض الأمور بدل أن يضعوا أسسًا للإنفاق على التعليم الجامعي بكرم حقيقي.
* تقويم التعليم العام والتعليم الجامعي: تقوم جهات محايدة في الغرب على تقويم الجامعات وكذلك التعليم العام وقد تعجبت جهة أجنبية أن المؤسسة التي تقوم بتقويم التعليم العام في بلادنا تابعة لوزارة المعارف. وقد كتب الدكتور سالم سحاب عن تقويم الجامعات ومؤسسات التقويم Acc صلى الله عليه وسلم editation ونحن بحاجة إلى مثل هذا ، صحيح أن مثل هذه المؤسسات قد تفضح كثيرًا من الأوضاع الخاطئة ولكن إذا أردنا اليقظة الحقيقية فعلينا مواجهة الحقائق.
* في المجال التجاري: لقد استحدثنا قانون ( البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل) بينما جاء في الحديث الشريف ( من أقال أمرؤا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة) ، فلو تعرفنا إلى بعض الإجراءات التي يتعامل بها الغرب في البيع والشراء وحاولنا تأصيلها إسلاميًا فالناس درجوا على أن يحبوا ما يأتي من الغرب فليكن ذلك شريطة أن نعرف أصولنا معرفة صحيحة.
هذه نماذج مما يمكن أن نتعلمه من الغرب وهي تحتاج إلى جهود كبيرة لتوضيحها، وليت وسائل الإعلام تأخذ على عاتقها مسؤولية ذلك.
الخاتمة
تناول هذا البحث مسألة معرفة الآخر وعرض لبعض الظواهر الاجتماعية في الغرب. وكانت نقطة الانطلاق هي تحديد هوية"الذات"أو"الأنا"و"الآخر"من خلال الرجوع إلى آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وأوضحنا كيف أن الحضارة الإسلامية قد شُيِّدت بعقول وسواعد وإبداع شعوب أدركت موقعها من العالم . أدرك المسلمون أنهم أمة"الشهادة"وأمة"الدعوة"والشاهد لا بد أن يعلم موضوع شهادته. والداعية لا بد أن يعرف البيئة التي سيدعو فيها. لذلك درس المسلمون الحضارات الأخرى وفهموها فسهل عليهم التعامل معها.
ونحن نعيش في عصر تهيمن فيه الحضارة الغربية فلا بد لنا أن نعرفها معرفة حقيقية ، وقد توصل بعض المثقفين المسلمين إلى معرفة الحضارة الغربية معرفة عميقة ومن هؤلاء طارق البشري الذي يقول:"إن الحضارة الأوروبية الأمريكية لا تعترف بغيرها ،و لا تتيح بالتالي إمكانية الحوار الذي يسهم بهضم و استيعاب قيم وخبرات مستمدة من حضارات أخرى." (191)
ولئن كان هذا صحيحًا لا ينبغي أن يثبط همتنا في الحرص على عرض ما لدينا من علم وهداية ونور عملًا بقول الله عز وجل ادع إلى سبيل ربط بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن. (192) هذا الأمر للوجوب وكما يقول علماء التفسير إذا أطلق الأمر هو للوجوب ما لم يصرفه صارف ، أو تأتيه قرينة تصرفه عن حالة الوجوب إلى الندب.، والحكمة تقتضي الاعتدال في الخطاب فلا ننزلق إلى -كما فعل دعاة الشيوعية والاشتراكية أو اليسار العربي- استعداء الغرب بأساليب فجة ، واستخدام وسائل الإعلام للعنتريات الفارغة . وقد كانت قواميس شتائم اليساريين تحتشد بربط الغرب بالامبريالية والاستعمار واستغلال الشعوب واستعبادها. وكأني بهؤلاء مثل الأعرابي الذي سرقت منه إبله فعاد يقول:"أوسعتهم شتمًا ، وذهبوا بالإبل"وفي هذا يقول عبد القادر طاش:"إن الحاجة ماسّة الآن لإعادة النظر في الخطاب الإسلامي المعادي للغرب وترشيده وإعادة التوازن لكيلا نفاجأ يومًا بانزلاق الطرفين إلى صدام مدمر يقودنا إليه ذلك الشحن الأيديولوجي الأعمى من قبل الغلاة هنا وهناك." (193)