فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 2255

3.أن الأمم التي أهلكها الله من قبل لم تكن أممًا ذات حياة بدوية أو بربرية بل كان غالبها حضارات لا تزال أثارها شهادة عليها حتى اليوم تدل على مقدار ما وصلوا إليه من التقدم: فاليونان والآشوريين والفراعنة وغيرهم كانوا لا يجارون في عصورهم علمًا وقوة.

4.أن الحضارات الفاسدة والظالمة مهما أطالت في البقاء، ومهما يبلغ عمرها فإنه لا يقاس بشيء بالنسبة لعمر الحياة، وسجل التاريخ (( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم ) )!! حقيقة ستنطق بها تلك الحضارات يوم القيامة.

5.أن الحضارات لا تقاس ببقائها ولا بموتها في الحياة، ولكن تقاس بقيمتها ومبادئها وأفكارها وما أنجزته لخير البشرية الدنيوي والأخروي.

6.أن صانع الحضارة المعاصرة هو الإنسان، غير أن الإنسان صُنع الله، وكم هو مضحك ومبكي في نفس الوقت أن يقوم المدهوشين بالغرب فاغرى الأفواه، ومحدقي الأعين، وفاقدي الوعي أمام انطلاق صاروخ، أو تحريك آلة، أو نجاح عملية جراحية، رغم أنهم يمرون بآيات الله - عز وجل - يوميًا غير مكترثين بها، ولا ملتفتين إليها، وصدق وصف القرآن فيهم (( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) )، ولذلك يلفت القرآن أنظارهم إلى آيات الله الأكبر والأعظم والأقدم (( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت * فذكر إنما أنت مذكر!! ) ) (( فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صبًا * ثم شققنا الأرض شقًا * فأنبتنا فيها حبًا *وعنبًا وقضبًا * وزيتونًا ونخلًا * وحدائق غلبًا * وفاكهة وأبًا ) ).. ثم (( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير ) )، لكنها غشاوة الفتنة (( أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعًا لكم ولأنعامكم ) ).

* من رحم الظلام والظلم:

لكي نتحدث عن النهاية الحتمية للحضارة الغربية لا بد من الحديث عن بداية النشأة لكن بشيء من التلخيص فنقول:

إن أوروبا عاشت ما يعرف بالقرون الوسطى المظلمة والتي كانت الخلافة الإسلامية والعالم الإسلامي في حينه يعيش في أوج حضارته وتقدمه ورقيه في المشرق العربي والفارسي، فكانت تحكم تحت سلطان الكهنوت، حيث عملت الكنيسة عبر تعاليمها المحرفة إلى تعبيد الناس لها بصورة مزرية جدًا حتى أصبحت تتحكم في تفكيره وشئونه وخواطره وآخرته، ولم تكتف بذلك بل عملت حلفًا مع الملوك القياصرة على جعل مواطني البلاد خدمًا وعبيدًا لا يمكلون أبسط حقوق الحياة فضلًا عن المتعة والرفاهية.

ونظرًا لتراكم عدة أسباب قامت الثورة الحديثة في أوروبا ضد الاستبداد الملكي الاقطاعي والكهنوتي المسيحي، وسعت الثورة لترسيخ مبدأ حق الشعب في الحياة دون أي استبداد أيًا كان.

ومن هنا انطلقت الشعوب تبحث عن معرفة جديدة، وعلم جديد يكشف لها الحقائق من حولها، ومن ثم تعمل على تسخير ما حولها لصالحها الدنيوي، وهكذا كان العلم رديفًا لحقوق الإنسان التي سعت إليها الثورة الأوربية، ومن هنا عملت العقول وذهبت تبحث وتقلب وتستكشف، وتجمع علوم الآخرين، وتترجمها محاولة الإضافة إليها، فأعطيت الحركة العلمية قدرًا من الاهتمام الاجتماعي والسياسي، فزخرت البلدان الغربية بالمدارس والجامعات والمختبرات والمعامل، وانطلقت الدور في طباعة ونشر كل جديد تغذية للمجتمع بالمعارف التي حرم منها دهورًا من الزمان.

وفي الحقيقة فقد سارت العجلة سريعًا لأن هناك عدة عوامل ساعدت على ذلك، منها:

• الحروب القومية والاستعمارية التي خاضتها حكومات تلك الدول فيما بينها أو مع الشعوب الأخرى مما حدا بهذه الدول إلى المسابقة لنيل زمام العلوم والمعارف لتمتلك زمام القوة، كما أن هذه الحروب رافقتها كوارث صحية واقتصادية واجتماعية دفعت العقول لحل مشاكلها، ومحاولة تجاوزها، وقد قيل الحاجة أم الاختراع.

• تراجع الحضارة الإسلامية ووقوع كثير من مؤلفات المسلمين نهبًا للأيدي الاستعمارية مما كان له الأثر في اختصار الوقت والجهود.

• الثروات التي نشأت لدى فئات من المجتمع الأوربي جعلت مالكيها يبحثون عن المزيد من الثروة إما بتقديم سلع جديدة، أو خدمات جديدة، أو وسائل جديدة عما سبق، هذه الأسباب وغيرها عجلت بدفع الحركة العلمية والاكتشافات العصرية لدى الغرب.

• ولا ننسى أن المكانة التي أعطاها المجتمع للعلماء كانت ذات أثر لا يمكن إغفاله في الغرب.

وهنا أضيف نقطة ذات اتصال بهذا المبحث ألا وهي أهداف العلم في مراحله الأولى، أو أهداف الحركة والنهضة الغربية في بداياتها:

1.هدفت العلوم والحركة العلمية في الغرب إلى الاكتشاف والاستفادة مما هو موجود في البيئة.

2.كما هدفت إلى رفع الظلم والبؤس عن الإنسان، ودفع الأقدار المؤلمة التي تصيبه.

3.وكان من أهدافها أيضًا امتلاك الطاقة في صورها المختلفة حتى لا يعيش الإنسان أسير مادة ما أو عنصر ما.

4.وكان من أهدافها التسهيل على الإنسان في حركته وتنقلاته.

5.تحقيق الأرباح المالية والرخاء المعيشي للمجتمع.

6.النجاح في التنافس الأممي، والظهور في صورة المثل.

المعاني والإنسان:

قيل المعاني قبل المباني، والإنسان قبل العمران، وبالفعل نجحت الحركة العلمية والنهضة التكنولوجية في الغرب عندما كان ذلك جزءًا من أهدافها ولو في صورة شعارات أو سياسات حكومية تعلن بين الحين والآخر، ولكن ماذا حدث؟ لقد سارت الحركة العلمية قدمًا بدون مرشد أو دليل، لقد كانت تسير بعجلة واحدة، ولذلك فقدت توازنها، وأصبحت مأساة وأي مأساة.

في عام 1945م وتحديدًا في تمام الساعة 8.15 صباحًا من أحد أيام شهر أغسطس وفي مدينة هيروشيما اليابانية حدث أمر مهول فقد دمرت مدينة بأكملها كان تعدادها السكاني مع القرى المجاورة مئة ألف نسمة، وأصبحت رمادًا في ثوان معدودة نتيجة إلقاء قنبلة نووية صنعتها أمريكا.

قيل أن درجة الحرارة في لحظات الانفجار بلغت ما بين 3000 - 4000 درجة بحيث أن أغلب أجساد بني آدم تبخرت في لحظات، والبعيد منهم تفحم في أقل من دقيقة.

لم يفق العالم من هذا الخبر حتى ألقت أمريكا القنبلة الثانية على مدينة ناجازاكى فقتلت 74 ألف نسمة في لحظات.

يقول سيد قطب - رحمه الله:( إن رجل الحضارة الغربية ينتج ليستهلك فقط، ويلعب للهو فقط، ويستجم للراحة فقط.

إنه يريد أن يذلل الحياة ليعيش سريعًا منعمًا دون أي تضحية أو بذل، وهو في سبيل ذلك يمكن أن يتحول إلى وحش كاسر، أو مجرم سفاح )الإسلام ومشكلات الحضارة.

وإضافة إلى ما سبق فإن المادية البربرية التي تتسم بها الحضارة الغربية لا تقاوم السمو العقلي فحسب، بل إنها تسحق أيضًا الشخص العاطفي، واللطيف، والضعيف، والوحيد، وأولئك الذين يحبون الجمال، ويبحثون عن أشياء أخرى غير المال.

هذه كلمات رجل غربي عاصر النهضة العلمية في الغرب ثم ألف كتابًا بعنوان ( الإنسان ذلك المجهول )

إن الصناعة والنهضة العصرية تقوم على مبدأ"أعلى مستوى من الإنتاج مع أقل التكاليف"، وبالتالي فهي لا تعطي قيمة للعامل فيها طالما وأنه يكلفها المال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت