نفسي
تنظيمي
التحدي النفسي
إن التحدي النفسي يعد من أخطر التحديات التي تواجه أي أمة من الأمم. فعندما تفقد الأمة الإحساس بقدرتها على التفوق و التقدم والانتصار؛ عندها تبدأ عملية الهبوط. فالعامل النفسي هام جدًا. ففي فترة الطموح وفترة الهمة وفترة الشعور القوي بالذات تبدأ عملية انطلاقات الأمم. وفي فترة الانهيار يفقد الإنسان ذلك البريق الداخلي والإحساس بالذات وينطفيء الوهج الخلاق الذي يدفعه إلى التحرك والعمل. وكل أمة تفقد هذا الوهج فمصيرها إلى الانهيار. و لم تعد اليوم قضية الباعث النفسي متروكة للصدف إنما تعمل أجهزة الإعلام والتعليم على زرع وبعث هذه الثقة بالذات. كما تقوم أجهزة الخصم على الطرف اللآخر بتحطيم هذه الثقة بالذات من خلال إعلامها وتعليمها.
التحدي الفكري
يتمثل التحدي الفكري في فوضى لا مثيل لها في عالم الأفكار .فعندما تكون قاعدة بيانات العقل مضطربة، فإن إضافة مزيد من البيانات لها تؤدي إلى مزيد من الفوضى. وينتج عن ذلك اضطراب وتشوه في عملية اتخاذ القرارات. إن التنظيم الكبير والأساس المتين الذي تنطلق منه كل أمة يبدأ بتنظيم خارطتها الذهنية. بحيث يكون للمعلومة قيمة وظيفية، وحتى يتسنى استدعاؤها واستخدامها بشكل صحيح.
كما أن انتشار كثير من الأفكار القاتلة التي تكرس الوضع القائم، ولا تبشر بحدوث التغيير المأمول يكون لها دور كبير كمعوق يحول دون النهضة.
التحدي التنظيمي
فكل أمة من الأمم تحتاج إلى نظم في السياسية والاقتصاد والمال والاجتماع وغير ذلك، وكل منظومة من النظم تشكل عمادًا من أعمدة هذا البيت الكبير، فإذا انهارت النظم في أي مجتمع من المجتمعات كالنظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الخلقي فقد انهار جزء من البناء.
التحدي المادي
وهناك تحد في الجانب المادي. فالأمم التي لا تنتج شيئًا يذكر في عالم المعرفة وفي عالم التطبيقات؛ هيهات أن تجد مكانها بين الأمم.
ثانيًا الاستجابة
يؤمن"أرنولد توينبي"- صاحب نظرية"التحدي والاستجابة"- أنه كلما ازداد التحدي تصاعدت قوة الاستجابة حتى تصل بأصحابها إلى ما يسميه بالوسيلة الذهبية.
الوسيلة الذهبية
إن أي حضارة تقوم بمواجهة التحدي الذي يقابلها بسلسلة من الاستجابات، والتي قد تفشل في حل معضلة الحضارة، وحين تهتدي إلى الحل النموذجي تكون قد وصلت إلى الوسيلة الذهبية.
الوسيلة الذهبية
الاستجابة
الحضارة
إن منحنى تقدم الأمم نحو الحضارة لا يسير في خط مستقيم. ولكنه يمر بمنحنيات متغيرة متقلبة تشير بوضوح إلى سلسلة المحاولات السلبية التي مرت بها الأمة أو الحضارة في طريقها نحو القمة، حتى تأتي الوسيلة الذهبية (الاستجابة الصحيحة) فتعيد المنحنى مرة أخرى نحو الصعود. وهكذا تتكرر المحاولات السلبية والوسائل الذهبية حتى تصل الحضارة إلى ذروتها.
إن أمتنا ليست عقيمًا أن تلد أفكارًا تصل بها إلى الوسيلة الذهبية، غير أنها تحتاج سعة أفق وجرأة على التصدي للمشاكل.
الطريق نحو التكرار
نحو النمو
ويبين الشكل كيف أن الاستمرار في الأخذ بالوسائل المجربة التي لم تجد يمثل الدوران حول النفس، بينما لو جربت الأمة طرقًا جديدة لوصلت إلى النهضة، فقط يتطلب الأمر الجرأة على طرق الأبواب الجديدة وعدم الاكتفاء بالوسائل المجربة سالفًا.
لذلك يقول روبرت شولر:"أفضل أن أغير رأيي وأنجح على أن أستمر على نفس الطريقة وأفشل" (1) .
ويقول أديسون:"العديد من التجارب الفاشلة في الحياة تكون عندما لا يدرك الناس أنهم كانوا قريبين من النجاح عندما استسلموا" (2) .
وسئل أديسون ذات مرة هذا السؤال:"لقد قمت بألف تجربة فاشلة قبل التوصل للحل الصحيح. فما هو شعورك؟"فأجاب:"أنا لم أقم بألف تجربة فاشلة، بل تعرفت على ألف طريق لا يؤدي إلى الحل الصحيح".
الطريق نحو التكرار
الطريق نحو النمو
لا أهداف ... أهداف جديدة
كل شئ مألوف ... إثارة
ركود
... إنتاجية أعلى
يوم أمس آخر ... غد جديد
شئ تعيش عليه ... شئ تعيش له
إرهاق ... جودة
تسلية بالعمل المعروف ... استمتاع ببذل الجهد المثمر
مشاكل ... مشاكل
إن المفاصل المؤثرة في تاريخ الحضارات عادة ما كانت تصنعها الأقلية المبدعة، التي تعشق المحاولات، وتهيم بالعثور على الوسيلة الذهبية.
اللبنة المؤثرة
عادة ما تكون أحد هذه الوسائل الذهبية من الضخامة والتأثير بحيث تمثل لبنة هامة وخالدة تبني عليها الحضارات كثيرًا من وسائلها وأشكالها وتحولاتها التالية. وبإمكاننا أن نطلق على هذه الوسيلة (اللبنة المؤثرة) . وسنمثل لذلك بمثالين:
الأول: ما فعله الملك هنري في بريطانيا ونظامها السياسي. ففي القرن الثاني عشر الميلادي قام الملك هنري بتنظيم (1) وضبط الدولة بالقانون، وطبقه بصرامة على جميع المستويات، ودرب الجميع على احترامه. ورغم أن السبعين سنة التالية كانت من نصيب ملوك ضعاف إلا أن نموذج هنري كان قد طبع المجتمع الإنكليزي وأصبح مطلبًا مستمرًا.
والثاني: هو ما فعله نابليون بونابرت في فرنسا بعد قيام الثورة الفرنسية عندما أدخل أساليب الإدارة الحديثة و أنشأ الجامعة لمجابهة التحديات التي كانت تواجهه، ورغم أن تجربته كانت قصيرة إلا أنها بقيت ما يكفي لجعل عدة تغييرات راسخة لا رجعة فيها. وما زال الكثير من هذه النظم معمول بها حتى الآن.
أنواع الاستجابات
1.استجابة فاشلة: وهي تؤدي إلى التخلف. ولها أعراضها الداخلية المتمثلة في الفوضى والتخبط ولها أعراضها الخارجية، المتمثلة بحدة في اعتماد الأمة على الغير في مأكلها ومشربها وحمايتها، بل وحتى في فكرها ونظمها. إنها حالة من الاستلاب للآخر وهي حالة بها كل مقومات"القابلية للاستعمار".
2.استجابة ناجحة: وتمر بعدة أطوار: الصحوة، ثم اليقظة، ثم النهضة، ثم الحضارة.
وسنستعرض بشيء من التفصيل هذه الأطوار الأربعة التي تمر بها أي حضارة حتى تقوم. وهذه الأطوار لا تمثل أطوار الصعود والهبوط للحضارات، وإنما تمثل أطوار الصعود فقط. (1)
أطوارقيام الحضارات
الصحوة:
هي أولى مراحل انقشاع سحب التبلد الذهني. وسنستخدمها هنا لوصف المرحلة الأولى في البعث الحضاري.
من أعراضها الإيجابية: الإحساس بالذات والهوية. ويشعر الإنسان فيها بوجوب الحركة، ولكنه غير مدرك بالمحيط الذي يتحرك فيه.
من أعراضها السلبية: عدم تمتع أشكالها التنفيذية الانطلاقية بالرشد الكامل، فهي في جزء منها قد تبدو فوضوية غير منضبطة.
فالصحوة هي إرهاصات لحالة جديدة تعتري مجتمعًا ما، واضحة أحيانًا ومشوشة أحيانًا أخرى، ولكنها صرخات الجنين الأولى وحركة من صحا من نومه فجأة ولكنه لم يستيقظ بعد ويتنبه لمحيطه الخارجي بشكل سليم، فربما اصطدم بمقعد أو دولاب دون أن يقصد أو يريد ولكن هذه الأخطار تزيده صحوًا وتنقله للاستيقاظ الكامل.
وقد جاءت مرحلة الصحوة للأمة بعد مرحلة سبات عميق وركود مميت مكَّن أقدام المستكبرين من أن تدوس أرضها، وأن تخترق سهام الأفكار الغازية فضاءها العقلي. فانطلقت عمليات البعث الفكري الأولى بدءًا خجولًا في شكل دفاعي؛ لتطور نفسها بعد ذلك في شكل هجومي، ولكنها ظلت حركة عقلية للنخب والمثقفين، وليست زادًا للأمة بعمومها. فقيض الله من رجالات الأمة من نزلوا بهذه الأفكار لجماهير الأمة فبينوا عظمتها وسموها على غيرها، وكشفوا للأمة نقاط ضعف غيرها من الأفكار. ونجحت جهودهم في حشد الجماهير حول الإسلام, فتراجعت أمامهم جميع الأفكار وانزوت وانحصرت، ولولا سطوة السلطان ما بقى منها شيء.