إن تيار النهضة المتدفق كالسيل لا يزال عاجزًا عن إحداث نقلة نوعية حقيقية تنقله من مرحلة إلى أخرى؛ بل إن هذه المراحل ذاتها تعاني من الضبابية والتداخل الذي يعجز معه طلاب النهضة وقادتها من تحديد بدايات هذه المراحل ونهاياتها. وهذا العجز وليد مجموعة من العوامل من أهمها تعامل العاملين للنهضة مع العلوم الإنسانية كعلوم وليس كأدوات.
فالمادة التاريخية يتم التعامل معها كمادة أكاديمية. وفي أحسن الأحوال تؤخذ منها الدروس والعبر المغلوطة والمبتسرة والمقتطعة من سياقها التاريخي. ونحن نرى أنه من الضروري أن ننفض الغبار عن هذه المادة التاريخية وأن ننتقل بها من رفوف المكتبات وعقول المؤرخين إلى ميادين الصراع والتدافع وعقول الاستراتيجيين. فالتاريخ هو مخزن الاستراتيجي الذي لا ينضب.
إن إتقان التعامل مع المادة التاريخية لتصبح أداةً من أدوات العاملين للنهضة - تعينهم في التفسير والشرح والتنبؤ - هو من الضروريات وليس من الحاجيات أو التحسينيات. وقديمًا قال أوغست كونت:"إن المعرفة قوة.. إنها تعني أن نعرف فنتنبأ فنستطيع". فالمعرفة إذا لم تتحول لتصبح أداة للاستطاعة والتمكين فهي ليست معرفة حقيقية؛ بل هي معرفة مجتزأة لا يتعدى دور صاحبها دور كتاب من الكتب أو موسوعة من الموسوعات.
وانطلاقًا من هذه الرؤية تم التعامل مع المادة التاريخية. لذلك فإن القارئ سيلحظ أن المادة مصاغة بشكل أشبه ما يكون بالدورة الحية، تجنبنا فيها الشكل السردي الصرف. كما أنها مصاغة لتكون أداة عمل وليست ثقافة مجردة.
وعلى ذلك تم عرض الدراسة في سبعة أبواب:
تناول الباب الأول منها صورة من فلسفة التاريخ لرسم إطار ونموذج معرفي تندرج فيه المعلومة التاريخية، ويُمَكِّن القارئ من فهم المسار التاريخي لأي حضارة، كما يمكنه من تحديد الطور الذي تمر به أمتنا والأطوار التالية التي علينا طرق أبوابها والولوج إليها.
والباب الثاني أسس لمفهوم الحضارة واضعًا إجابات على ادعاءات الغرب بامتداد العلوية الحضارية له، ومفندًا لمقولة الرجل الأبيض الذكي. كما أنه يوضح العوامل المؤثرة في قيام الحضارات وتتابعها وتواليها على قمة المجد الحضاري.
أما الباب الثالث فيرسم صورةً لتقسيم التاريخ كما تتناوله الأدبيات الغربية، فيوضح النقاط المفصلية في تاريخ البشرية من وجهة نظر المؤرخين الغربيين وأسباب اختيارهم لهذه النقاط كفواصل كبرى بين كل مرحلة وأخرى من مراحل التاريخ البشري. ثم هو يتناول الدلالات الخفية في التقسيم وطريقة التناول التي تعزز الدور الحضاري والقيادي للرجل الغربي وتنفي أدوار الحضارات المشرقية الأخرى عامة والإسلامية والعربية خاصة.
والباب الرابع يرسم المسار التاريخي الأوروبي وأهم محطاته. ويوضح النقاط المفصلية في التاريخ الأوروبي، ويتناول عصور الظلام وعصر النهضة الأوروبية بالتحليل موضحًا تطور الفعل الحضاري في أوروبا.
والباب الخامس يرسم المسار الإسلامي وأهم محطاته وعوامل التحلل فيه.
والباب السادس تحدث عن تقاطع المسارين الإسلامي والأوروبي. فبين بداية مرحلة الصحوة الأوروبية وبداية خط الانكسار في مسار الحضارة الإسلامية. كما وضح أهم النقاط التاريخية المشتركة بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية، وكيف أثرت نقاط التقاطع تلك سلبًا وإيجابًا على كل من الحضارتين، وكيف أدت بإحداهما إلى القمة وأدت بالأخرى إلى الانحدار.
والباب السابع يضع الحدث الحاضر في سياقه التاريخي وفي الإطار والنموذج الذي تم شرحه في الباب الأول. فيحدد المرحلة الآنية والمستقبلية، ويوضح طبيعة الاستجابات العربية والإسلامية الحادثة والمرجوة في العوالم الثلاث (عالم الأفكار وعالم الأشياء وعالم العلاقات) .
إن هذا الكتاب هو خطوة هامة على طريق الانتفاع بالعلوم الإنسانية وتحويلها لأدوات تدفع عنا غائلة الخصوم في هذا العالم المتدافع. وهو لبنة في بناء الشخصية التي تستطيع التصدي للحرب النفسية والإعلام الموجه. كما أنه - إذا أُحسن التعامل معه - يمكن استخدامه في الدعاية المضادة لينتقل بك من مقعد المتفرج والمفعول به إلى الفاعل.
الباب الأول
قبل البدء
(إطار فلسفة التاريخ)
أهم الأسئلة التي يجيب عليها الباب
1.كيف يمكن فهم المسار التاريخي لأي حضارة؟
2.هل هناك عصا سحرية أو وسيلة ذهبية تؤدي إلى قيام الحضارات؟
3.هل التحديات التي تواجه أمتنا فوق طاقتها ولا يمكنها التعامل معها واقعيًا؟
4.ما التحديات التي تعرقل أمتنا عن بناء حضارتها؟
5.ما الأطوار الطبيعية التي تمر بها أي حضارة؟
6.على أي ضوء يمكن تفسير حالة التخبط التي تحياها الأمة اليوم؟ وهل هذه العشوائية يمكن أن تقود إلى حضارة؟
7.ما الطور الذي نمر به اليوم؟ وما هو الطور المرتقب؟
حتى نتمكن من فهم مسارات الحراك التاريخي للحضارات، ونستطيع وضع إطار شامل لذاكرة أمتنا، ينبغي لنا أولًا أن نتعرف على نظرية التحدي والاستجابة. والتي تبين الكيفية التي يتحرك بها مسار أي أمة من الأمم نحو بناء الحضارة.
نظرية التحدي والاستجابة
يعني التحدي وجود ظروف صعبة تواجه الإنسان في بناء حضاراته، وعلى قدر مواجهة الإنسان لهذه الظروف تكون استجابته إما ناجحة - إذا تغلب على هذه المصاعب - أو استجابة فاشلة إذا عجز الإنسان عن التغلب على هذه المصاعب.
وصاحب هذه النظرية هو"أرنولد توينبي". وقد ذكر أن الظروف الصعبة التي تتحدى قدرة الإنسان وتستحثه على العمل لتكوين الحضارة تتمثل إما في بيئة طبيعية أو ظروف بشرية (1) .
أولًا التحديات
إن التحديات هي سر نهضة الأمم، ولولا التحديات لما وجدت الحضارات، ولما كانت هجرات الشعوب واكتشافها لمواطن جديدة تصلح للحياة، ولذلك فإن الرغبة في حياة ليس بها تحديات يعتبر بمثابة حبس طاقات الإنسان. وفي هذا يقول روبرت شولر:"إن الصراع هو مكان ولادة الإبداع الأعظم" (2) . ويقول الدكتور كاريل:"الأهداف التي تعمل على إثارة الحافز فينا تقوم بتقديم أجمل الهدايا لنا على شكل إنجازات" (3) .
مستويات التحديات
أنواع التحديات
تحدي قاسي
أكبر من طاقة الإنسان
تحدي ضعيف
غير مستفز
تحدي خلاق
مستفز لطاقة الإنسان
1.تحدي قاسي أكبر من قدرة المجتمع ولا يستطيع الإنسان تطوير آليات التغلب عليه، مثل شعب الإسكيمو ومعاناته من الطبيعة الثلجية. فكانت النتيجة بقاء الإسكيمو على حالهم منذ أن استوطنوا ألاسكا.
2.تحدي ضعيف غير مستفز لطاقة الإنسان كي يطور ذاته. وبالتالي يظل على حاله من غير تقدم مثل شعب نيوزلندا، حيث قلة السكان ووفرة الموارد وسهولة الأرض، فلم يتقدم سكان نيوزلندا الأصليين.
3.تحدي خلاق يستفز طاقة الإنسان ولكنه - أي الإنسان - قادر على تطوير آليات للتغلب عليه مثل حالة كل الشعوب التي صنعت حضارات فطورت أدواتها المعرفية والعملية حتى ووجهت بتحد داخلي أو خارجي أو بيئي، ولم تستطع الاستمرار أو تقاصرت حركتها فسبقها غيرها.
مساحات التعرض للتحديات
إن التحديات التي تعاني منها أي أمة من الأمم تكون على أربعة أصعدة:
1-تحد على الصعيد النفسي: حيث تعمل كل الأجهزة المناوئة لفرض الهزيمة النفسية على الأمة.
2-تحدٍ على الصعيد الفكري: حيث تشهد الساحة خليطًا واضطرابًا في النسق الفكري معوق لحركتها.
3-تحدٍ على الصعيد التنظيمي: حيث تنعكس الحالة الفكرية على جميع أشكال العلاقات الفردية والجماعية.
4-تحدٍ على الصعيد المادي: حيث أن عالم الأشياء الذي تبدعه الأمة يتقلص وتصبح عالة على الآخرين.
التحديات
مادي
فكري