والجواب هو: أن كلامهما غير مقبول عند كثير من المفكرين أصحاب الفكر السطحي، والتفكير من خلال النظرة إلى القشرة السطحية من القضايا المصيرية. وكلامهما غير مقبول لدى بعض الإعلاميين والصحفيين العرب والمسلمين غير المعترفين بوجود ضباب وغبش يحجب الصورة الصحيحة للحقائق، ويمنع رؤية الأشياء على حقيقتها، وسبب عدم قبولهم لكلام الله سبحانه وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه المجالات السياسية والاقتصادية والحضارية هو (عقدة الخواجة) ! وبسبب أنه ليس عليها (الطابع الغربي) ! وعلة ذلك أيضًا الشعور الذي يتملكهم، وهم غير معترفين به، بل لا يرون أنهم واقعون في فخه، وهو الشعور بالنقص والضعف أمام الحضارة الغربية بقوانينها وأساليبها ونظمها ودساتيرها، لذلك سأستشهد بكلام أحد (الخواجات) ،وبكلام عليه (الطابع الغربي) ، وهو سياسي متقدم ومفكر رومي قديم، وهو (هرقل) ملك الروم، فلقد عبر ووضَّح وبيَّن مدى ونتيجة وثمرة المعادلات والأسباب والنظم والقوانين التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم في القوة والتمكين والنصر والاستخلاف، حيث قال لأبي سفيان بن حرب: «سألتك يا أبا سفيان بما يأمرك محمد» ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا، فسيملك ما تحت قدميَّ هاتين) (4)
وكانت النتيجة كما ذكر، وكانت العاقبة كما توقَّع أن سقطت مملكته، واختل ملكه،ودخل تحت سيطرة المسلمين، وصار الروم تحت حكم العرب.
قد يقول هؤلاء: إنَّ هذا الخواجة الذي استدللت به سياسي قديم لم يدرك السياسة بمفهومها المعاصر ومضمونها وتعقيداتها الحالية؟
** الجواب على ذلك:
سأنقل قطرات من بحر الاعترافات لمفكرين وسياسيين من الخواجات المعاصرين:
يقول «رودي برت» - عالم ألماني معاصر: « كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة في بوادي وواحات شبه الجزيرة يعيثون فيها فسادًا،حتى أتى محمد ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد خالق بارئ، وجمعهم في كيان واحد متجانس» .
ويقول «مارسيل بوازار» : «لم يكن محمد على الصعيد التاريخي مبشرًا بدين وحسب، بل كان كذلك مؤسس سياسة غيرت مجرى التاريخ وأثرت في تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق» .
ويقول «أرنولد توينبي» - المؤرخ البريطاني الشهير: «لقد كرس محمد حياته لتحقيق رسالته في كفالة هذين المظهرين في البيئة الاجتماعية العربية، وهما: الوحدانية في الفكرة الدينية، والقانون والنظام في الحكم، وتم ذلك فعلًا بفضل نظام الإسلام الشامل الذي ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معًا، فغدت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب، ونقلهم من أمة جهالة إلى أمة متحضرة، بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة واستولى على العالم السوري بأسره من سواحل الأطلسي إلى شواطئ الأوراس» .
ويقول الدكتور م . ج. دوراني: «.... وأخيرًا أخذت أدرس حياة النبي محمد، فأيقنت أن من أعظم الآثام أن نتنكر لذلك الرجل الرباني الذي أقام مملكة الله بين أقوام كانوا من قبل متحاربين لا يحكمهم قانون، يعبدون الوثن، ويقترفون كل الأفعال المشينة، فغيَّر طرق تفكيرهم، لا بل بدل عاداتهم وأخلاقهم، وجمعهم تحت راية واحدة وقانون واحد ودين واحد وثقافة واحدة وحضارة واحدة وحكومة واحدة، وأصبحت تلك الأمة التي لم تنجب رجلًا عظيمًا واحدًا يستحق الذكر منذ قرون، أصبحت تحت تأثيره وهديه تنجب ألوفًا من النفوس الكريمة التي انطلقت إلى أقصى أرجاء المعمورة تدعو إلى مبادئ الإسلام وأخلاقه ونظام الحياة الإسلامية، وتعلم الناس أمور الدين الجديد» (5) .
قال «غوستاف لوبون» - مؤلف فرنسي شهير ولد عام 1841م: «إنَّ هذا الكتاب (القرآن) تشريع ديني وسياسي واجتماعي» (6) .
وقال «مونتجومري وات» عميد قسم الدراسات العربية في جامعة أدنبره سابقًا: «يعتبر القرآن قلاقل العصر نتيجة أسباب دينية بالرغم من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وأنه لا يمكن تقويمها إلا باستخدام الوسائل الدينية مثل كل شيء، وإنه لمن الجرأة الشك في حكمة القرآن نظرًا لنجاح محمد في تبليغ الرسالة» ..
وقال العالم «مايكل هارت» - الأمريكي الشهير: «إن محمدًا كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي ... إن هذا الاتحاد الفريد الذي لا نظير له للتأثير الديني والدنيوي معًا يخوله أن يُعْتَبَر أعظم شخصية ذات تأثير في تاريخ البشرية» .
قال «إدوارد بروي» - باحث فرنسي معاصر وأستاذ في السربون: عندما قبض النبي العربي عام 632م كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعي يسمو كثيرًا فوق النظام القبلي الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم في وحدة قوية وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة لم تعرف مثلها من قبل (7) .
يقول «فيليب حتي» : «إذا نحن نظرنا إلى محمد من خلال الأعمال التي حققها فإن محمدًا الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد يبدو لنا بكل وضوح واحدًا من أقوى الرجال في جميع أحقاب التاريخ، لقد نشر دينًا هو الإسلام، وأسس دولة هي الخلافة، ووضع أساس حضارة هي الحضارة العربية الإسلامية، وأقام أمة هي الأمة العربية، وهو لا يزال إلى اليوم قوة حية فعالة في حياة الملايين من البشر» .
يقول السير لنتجنستادير: «إن تاريخ الحكم الإسلامي يدحض ظنون بعض الغربيين من أن الإسلام لا يصلح لإقامة دولة تساس فيها الأمور على قواعد المصلحة الاجتماعية وحسن العشرة بين المسلمين وغير المسلمين، وأن مفكري الإسلام في جميع العصور بحثوا قواعد الحكم والعرف من الوجهة الفلسفية، وأخرجوا لأممهم مذاهب في السياسة والولاية تسمو إلى الطبقة العليا» (8) ..
يقول «إدوارد كيبون» - ولد في إنجلترا 1737 - 1794م: «إن من عبقرية النبي العربي وفي خلال أمته وفي روح دينه أسباب انحلال الدولة الرومانية الشرقية وسقوطها، وإن أبصارنا لتتجه دهشة إلى ثورة من أعظم الثورات التي طبعت أمم الأرض بطابع خالد (9) .
نختم هذه الأقوال بهذا القول، ونكتفي بهذه الشهادات التي هي قطرات من بحر الاعترافات لهؤلاء الأوربيين ومفكري الغرب . فهل بعد هذه المنقولات يتواضع من يسمون بالسياسيين والمفكرين، وكذلك الإعلاميين؟ هل يتواضعون لنصوص القرآن وللنظام الإلهي وللقانون الرباني حتى يحصلوا على النتيجة التي حصل عليها الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدون من بعده ونتيجة من ساروا على دربهم واقتفوا آثارهم؟
أم يبقون ويحكمون على غيرهم بالبقاء في التيه والذل والهوان والتفرق والضعف والتخلف والرجعية والجاهلية، فقد وصف الله سبحانه من لم يحكِّم الوحي ويستند إلى الشرع في حكمه بحكم الجاهلية، فقد قال سبحانه وتعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .