برهان ذلك من قانون خالق المسلمين قوله تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: الآية 55] .
فمن عجائب بعض المشتغلين بالسياسة - وبعض الإعلاميين وغيرهم من الكتاب والمفكرين - تقديس طرق وتعاليم ونصوص «كتلوج» جهاز سخان الماء، أو جهاز طهو الطعام، أو جهاز تبريد الهواء، والانصياع التام لتعاليم الصانع، واليقين القوي بأن عدم اتباع تلك الطرق وتلك التعاليم والنصوص يعطل الجهاز ويلغي مفعوله، وتجدهم أمام نصوص القرآن وتعاليمه في السياسة والاقتصاد وعملية الاستخلاف والتمكين والنصر غير مقدسين لها، وغير منصاعين لتعاليم الخالق سبحانه وتعالى، وليس لديهم يقين بأن مخالفة تلك التعاليم والنصوص والطرق تؤدي إلى الفشل في المواجهة مع الأعداء، وأن نتيجتها الهزيمة في المعركة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وليس لديهم يقين بأن ثمرة عدم اليقين بهذه النصوص القرآنية والتعاليم الإلهية يعطل حركة المقاومة أمام أعداء الحضارة الإسلامية والكيان الإسلامي والاقتصاد الإسلامي.
والواقع شاهد على هذا الفشل، والحاضر الذي نعيشه يبرهن على هذه الهزيمة.
ومن النصوص والبنود التي تبين أنه كلما زادت ممارسة العمل الصالح ارتفع مؤشر النصر والتمكين والاستخلاف، ورفع البلاء والذل والهوان: قوله صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش لما قالت: أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله ؟! قال: «نعم، إذا كثر الخبث» . (2)
فمن الهلاك الهزيمة، ومن الهلاك الضعف، ومن الهلاك الذل والهوان. فدل هذا النص على أنه كلما زاد الخبث - والخبث ليس شجرًا أو حجرًا، بل هو أعمال تمارس من قبل أفراد المجتمع - نقص مؤشر النصر والتمكين والاستخلاف، وارتفع مؤشر المعصية، ونتيجة ارتفاع هذا المؤشر: البلاء، والضعف، والذل والهوان، والتشرذم، والهزيمة.
مثال على هذا الخبث الذي هو سبب من أسباب الهزيمة والذل والضعف، وهو من الأسباب المخفية والمغيبة في الساحة والصحافة والسياسة والإعلام، هذا السبب هو: التعامل بين المسلمين بالربا.
فممارسة أفراد المجتمع للمعاملات الربوية من الخبث الذي هو سبب الهلاك الاقتصادي والسياسي والهزيمة في المعارك العسكرية والحضارية.
والدليل على أن هذا السبب من الأسباب المفضية للهلاك والهزيمة قوله سبحانه وتعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 279] .
فمن السفاهة أن يحارب مجتمع أو دولة الله في النهار، ثم يطلبون منه النصر والظفر والعزة في الليل، فإذا أراد المجتمع أو الدولة من الله النصر فلينصروه أولًا. فمن نصرته ترك التعامل بالربا، ومن نصرته نهي الممارسين للمعاملات الربوية عن ممارستهم لها وتقليل عددهم.
فإذا قل عددهم ارتفع مؤشر الانتصار لله، وبذلك يتحقق وعد الله لهم بالنصر، كما قال سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .
وقال أيضًا: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] .
ويقاس على التعامل بالربا (الزنا) ، فمن السخافة والسفاهة والسخرية بالله أن يمارس أفراد مجتمع ما الزنا بالليل، ثم إذا أصبحوا طلبوا النصر من الله، ومثل الزنا والربا القمار، وشرب الخمر وغيرها من الكبائر والمحرمات، فضلًا عن الشركيات والكفريات.
قد يقول قائل: أنت بهذا الطرح تطلب المحال لأجل أن ترفع مؤشر النصر والتمكين والقوة في المعارك السياسية والاقتصادية والعسكرية والحضارية، فلا يمكن خلق مجتمع لا تقع فيه حادثة شرب خمر، أو زنا،أو معاملة ربوية، أو قمار، أو أي محرم من المحرمات، فهذا المجتمع المثالي لا يمكن تصوره فضلًا عن وجوده على أرض الواقع؟
** الجواب:
نقول: إن هذا الاعتراض خطأ وفي غير محله، ولا يمكن لأدنى باحث شرعي أن يقصد هذا الأمر في طرحه، فهذا القصد مستحيل أن يطرح. والسبب أن أي باحث شرعي - وأي مسلم لديه معلومات قليلة في العلم الشرعي - لديه مسلمات ينطلق منها، من ذلك أن مجتمع النبوة وقع من بعض أفراده بعض المعاصي، ومنها حكمة الله في خلق المعاصي والكفر والكافرين، فهذه المسلمات وهذه الحكم لا تعارض معادلة النصر والقوة والتمكين والعزة، ويوضح ذلك أن مؤشر النصر لا يرتفع إلا إذا نقص مؤشر المعاصي والمخالفات الشرعية، ومؤشر محاربة الله في المجتمع.
فحسب قلة المعاصي وكثرة الأعمال الصالحة يرتفع مؤشر النصر والتمكين، والعكس كذلك.
وهناك أنموذج يبين ويوضح مدى مصداقية هذه المعادلة على أرض الواقع، ومن خلال هذا الأنموذج نستطيع أن نعرف الفهم المغلوط والقاصر والخاطئ لحل قضية فلسطين وغيرها من قضايا المسلمين، ومن خلاله كذلك نستطيع أن نكتشف الضبابية والغبش اللذين حجبا الطريق السليم، ومن خلال هذا الأنموذج تتضح لنا السطحية المميتة والتسطيح القاتل.
الأنموذج هو: يقول الإمام مالك بن أنس - رحمه الله: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها» .
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي] (3) فمن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء إلى العرب وهم مشتتون ومختلفون ومتقاتلون ومتناحرون فيما بينهم، وخائفون من الروم والفرس.
فلا سياسة قوية لهم، ولا اقتصاد قوي، ولا جيش قوي، ولا حضارة قوية، ولا نظام اجتماعي متين يربط بينهم ويوحد كلمتهم وينظم معيشتهم.
والسبب أنهم مشركون بالله أولًا، وكافرون بنعمه ثانيًا، فجاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بمعادلات القوة وأسباب النصر والتمكين والاستخلاف، وبقوانين السياسة القوية، والاقتصاد القوي، والحضارة القوية، ونظام المجتمع المتماسك، والكلمة الواحدة الموحدة.
لن أعبر عن مفعول هذه المعادلات ونتائج هذه القوانين، وآثار هذه النظم من كلام الله سبحانه وتعالى أو من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام.
قد يسأل سائل:عن السبب في عدم الاستدلال بكلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم؟