وهكذا نتيجة هذه الجرائم والمؤامرات وغيرها أحبط كثير من المسلمين إحباطًا شديدًا، ورضخوا للواقع، وقنعوا بالسير في ذيل الحضارة الغربية ، ولا حول ولا قوة إلا بالله..
الباب الثاني
أمة لن تموت
ومع كآبة الواقع ، وضخامة المؤامرة ، وبشاعة الكيد ، فإني أعود من جديد وأتعجب.. كيف يمكن أن تحبط أمة تمسك في يديها بكتاب القرآن ، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
لقد حفل القرآن العظيم والحديث الشريف بالعشرات - بل المئات - من الحقائق المبشرة التي تؤكد حتمية عودة هذه الأمة لصدارة العالمين.. هذا أمر لا ينكره من يدرك طبيعة هذا الدين ، وطبيعة هذه الأمة.. كل ما نرجوه أن يعود المسلمون لدينهم ، وأن يأخذوه من مصادره الصحيحة لا من مصادر المستشرقين أو المستغربين.. وأن يستمعوا وينصتوا لكلام ربهم ونبيهم ، ولكلام من يثقون بدينهم ويعرفون إسلامهم وأخلاقهم لا لدعاة العلمانية والتحرر من قيود الدين كما يدعون!!
ولقد اخترت لكم عشر حقائق فقط من الحقائق المبشرة ، ومن أراد الزيادة فليعد إلى الكتاب والسنة ، فإن عجائبهما لا تنتهي ، وكنوزهما لا تنقطع!!.."صنع الله الذي أتقن كل شئ"..
الحقيقة الأولى
سنة التداول
إن هؤلاء الذين قنطوا لم يدركوا طبيعة سنن الله في الأرض ، فالله سبحانه وتعالى شاء أن يجعل الأيام دولًا بين الناس. قال تعالى:"إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس". فكما تعاني أمة المسلمين من القرح اليوم ، فقد كان هناك أيام عانى فيها الآخرون من القرح، بينما كانت أمة المسلمين في سلامة وعافية. كل الأمم تسود فترة وتتبع غيرها فترات... كل الأمم تقود زمنا وتنقاد لغيرها أزمانًا... بل إن كل الأمم تعيش مرة وتموت وتندثر وتختفي مرات، إلا أمة واحدة ، قد تنقاد لغيرها فتره من الفترات ، وقد تتبع غيرها زمانًا من الأزمان ، لكنها لا تموت أبدا.... تلك هي أمة الإسلام!!
أين حضارة الرومان؟!
لم يبقي منها إلا أطلال وأبنية..
أين حضارة الإغريق؟!
لم يبقي منها إلا فلسفة فارغة ، ومعابد وثنية
أين حضارة الفرس؟!
ماتت ولم تترك ميراثا..
أين حضارة الفراعنة؟!
بقيت منها جمادات وديار كديار عاد وثمود، وبقيت جثث محنطة وأوراق بالية ، لكن أين الفراعنة؟ إما في بطون القبور ، أو في جوف البحر، حيث ينتظر جنود فرعون الساعة!!
أين التتار وجيوشهم؟!
لم يبق لهم أثر واحد..
أين إنجلترا الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس؟!
إنها تابع ذليل...
أين الإمبراطورية الروسية القيصرية ثم الشيوعية؟!
سقطت سقوطًا مروعا...
وسيأخذ غيرهم دورات ودورات ثم يسقطون، وسيعلو نجمهم فترة ثم يهبطون، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين..
ومن ثم فلا عجب أن ترى أمة ظالمة قد ارتفعت وتكبرت وتجبرت.. إنها في دورة ارتفاع ، ولكنها حتمًا لن تخرج عن سنة الله في أرضه وخلقه.. إن مصيرها إلى زوال.. حتمًا إلى زوال.. فلن تجد لسنة الله تبديلًا ، ولن تجد لسنة الله تحويلًا...
الحقيقة الثانية
أمة الإسلام أمة باقية
وإذا كان من سنة الله أن كل الأمم تموت وتندثر ، فإن من سننه كذلك أن أمة الإسلام لها طبيعة مغايرة.. إنها ما سقطت إلا وكان لها بعد السقوط قيام، وما ضعفت إلا وكان لها بعد الضعف قوة، وما ذلت إلا وكان لها بعد الذل عزة!!.
لماذا؟!
لأن طبيعة أمة الإسلام أنها أمة شاهدة على غيرها من الأمم"وكذلك جعلناكم أمة وسطًا ، لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا".. حتى الأمم الغابرة - قبل أمة الإسلام - نشهد عليها بما جاء في كتابنا القرآن ، والأمم المعاصرة نشهد عليها بما رأيناه بأعيننا، وقومناه بمنهجنا وأحكامنا وشرعنا، وسنظل نشهد على الأمم إلى يوم القيامة، فنحن باقون ما دامت الحياة ، وغيرنا لا شك مندثر وذاهب.
طبيعة هذه الأمة أنها تحمل الرسالة الخاتمة، والكلمة الأخيرة من الله إلى خلقه، وليس هناك رسول بعد رسولنا صلي الله عليه وسلم ، وليست هناك رسالة بعد الإسلام، فلابد وأن يحفظ الله المسلمين لأجل أهل الأرض جميعًا.
طبيعة هذه الأمة أنها الأمة الوحيدة التي كان من همها أن تعلم غيرها دون ثمن ولا أجر، بل قد يدفع المعلمون المسلمون مالًا، ويبذلون جهدا وعرقًا ووقتًا بل ونفسًا حتى يعلموا غيرهم. َمن ِمن الأمم يفعل ذلك غير أمة الإسلام؟! ألم تكن الشعوب تغير علي الشعوب لتأخذ خيرها، وتنهب أرضها، وتقتل أهلها، بينما كان المسلمون يضحون بأرواحهم ليستنقذوا الناس من جحيم الكفر والضلال إلى جنة الإيمان والهدي؟ ألم يقل ربعي بن عامر رضي الله عنه قولًا ما تكرر في التاريخ على ألسنة المتحضرين من الأمم غير أمة الإسلام يوضح فيه الرسالة الإسلامية بإيجاز فيقول"لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلي عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".. هكذا..لا نريد منكم جزاءًا ولا شكورًا..
هذه هي طبيعة الأمة الإسلامية.. بقاؤها هو خير الأرض، وذهابها فناء الأرض"كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"..
إذا كانت هذه هي طبيعة الأمة الإسلامية ، فلماذا الإحباط واليأس ؟..
الحقيقة الثالثة
حقيقة المعركة
يقول الله سبحانه وتعالى"ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"..
آية عظيمة مبهرة!!
يا أخواني وأحبابي: إن كل ما ذكرناه من جرائم ومكائد ومؤامرات وتزوير وتشويه وخيانات وعمالات ونفاق وكذب - كل هذا - يدخل تحت كلمة"ويمكرون".. لكن انظر إلى الجانب الآخر من المقابلة:"ويمكر الله والله خير الماكرين"
فالله عز وجل يقابل مكرهم بمكره.."وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون"
أيها المسلمون:
إن كان أصابكم شئ من الإحباط فلكونكم لم تفهموا المعركة على حقيقتها، ولم تدركوا الصدام بكامل أبعاده.. إنها ليست حربًا بين المسلمين والكافرين، وإن كان ظاهرها كذلك.. إنما هي في حقيقتها حرب بين الله وبين من مرق عن طريقه، وكفر بعبادته، وارتضى غيره حكمًا ، وقبل غير كتابه شرعًا.. هي حرب بين الله، وبين طرف صغير حقير من مخلوقاته سبحانه.. لكن الله من رحمته بالمؤمنين، ومن كرمه عليهم، منّ عليهم بأن جعلهم جنده وحزبه وأولياءه.. فالمؤمنون يقفون أمام الكافرين، ملتزمين بمنهج ربهم في وقوفهم، كما أمرهم يفعلون، لا يترددون ولا يفرون، واثقين بوعده، راغبين في جنته، راهبين لناره، مخلصين له، معتمدين عليه، لاجئين إليه.. إن فعلوا ذلك كان هو ـ سبحانه جلت قدرته وتعاظمت أسماءه ـ كان المدافع عنهم، الحامي لهم، المؤيد لقوتهم، الناصر لجيشهم، الناشر لفكرتهم، المنتقم من عدوهم.. واسمعوا وأنصتوا أيها المسلمون لقوله سبحانه وتعالى حتى تفهموا حقيقة المعركة:
"فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"
"إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا"..
"ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون، فأنظر كيف كان عاقبة مكرهم، أنّا دمرناهم وقومهم أجمعين"..
أيها المسلمون المعتزون بإسلامهم:
هل تعلمون لمن تعملون؟! وإلى أي ركن تأوون؟!
إنكم تعملون لله وتأوون إلي ركن شديد سبحانه!!..
هل إذا جلس المتآمرون في جنح الظلام يدبرون ويخططون ، أهم بعيدون عن عينه سبحانه؟"يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة أو في السماوات أو الأرض ، يأتي بها الله ، إن الله لطيف خبير"