فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 2255

(2) ـ المستغربون: لقد تبع هؤلاء المستشرقين طائفة أخرى يحلو لي أن أسميها طائفة المستغربين. وهم من أبناء المسلمين الذين فتنوا بالغرب، وتاقت نفوسهم إليه، واستغل الغرب الفرصة، ومدوا إليهم أيديهم بالسوء ، وصنعوهم على أعينهم ، ودسوا في عقولهم أفكارهم، ثم أعادوهم إلى أوطانهم.. يحبطون أبناء جلدتهم، ويشككونهم في دينهم، ويقنطونهم من القيام إلا بإتباع الغرب، حتى إن بعضهم كان يقول إن بلادنا لن تتقدم إلا إذا نقلت ما في لندن وباريس، بحلوه ومره، وبحسنه وسيئه، وبمعروفه ومنكره!!..لقد ذهب أحدهم - وهو من أبناء الأزهر الحافظين للقرآن - إلى فرنسا فتعلم هناك، ثم عاد إلى بلاد المسلمين، يعلم تلامذته أن ينقدوا القرآن الكريم.. فهذه آية قوية، وهذه آية ضعيفة.."كبرت كلمة تخرج من أفواههم ، إن يقولون إلا كذبًا"وكان يقول لتلامذته ليس معنى أن القرآن ذكر وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن هذا أمر حقيقي!!.. لابد من برهان مادي.. وكان يقول لتلامذته إن الآيات المدنية أكثر نضجًا من المكية!!، وكأن هذا من تراكم الخبرة"تعالى الله عما يصفون".. وكان يكتب كتبًا عن الصحابة - وبالذات في زمن الفتنة - فيطعن في كل من استطاع بلا خجل ولا مواربة، ثم إذا به يترقى في المناصب حتى يصبح وزيراًُ للتعليم!، يربي ويعلم ملايين التلاميذ.. وهكذا أصبح الشيخ الأزهري من دعاة العلمانية والإحباط، والأزهر منهم براء..

(3) ـ المستعمرون: اشترك أيضا في مؤامرة الإحباط المستعمرون الذين جثموا على صدور الأمة عشرات السنين، أذاقوها من العذاب ألوانًا.. في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان وليبيا والجزائر وتونس والمغرب واليمن والسودان والعراق والكويت و في كل بلاد المسلمين.

(4) ـ بعض الحكام: اشترك في المؤامرة أيضًا بعض الحكام المسلمين الذين أقنعوا شعوبهم أنهم لا طاقة لهم اليوم بجالوت وجنوده..ولا سبيل لحرب الدول"الكبرى"..وأنهم إن لم يكونوا تبعًا لهذا فليكونوا تبعًا لذاك..وأن الفجوة بيننا وبينهم لا تعد بالسنين بل بالقرون..

(5) ـ السلبيون من المسلمين: وهي طائفة كبيرة قد تدرك الحق لكنها لا تعمل له، وقد تعرف المعروف ولكنها لا تأمر به، وقد ترى المنكر ولكنها لا تنهى عنه..إنهم ينتظرون إما حلًا من السماء ، أو من غيرهم من أهل الأرض!!..ليس لهم عمل إلا الانتقاص من غيرهم ، ونقد العاملين الحاملين للواء هذا الدين..

ماذا فعلت هذه الطوائف الهمجية؟!

لقد فعلوا جرائم عدة ، فعلى سبيل المثال:

(1) ـ جريمة تزوير التاريخ: وهي جريمة بشعة لا يتسع المجال للخوض في تفصيلاتها الآن ، وقد أفردت لها محاضرة خاصة..لقد كذبوا وزورا، والتقطوا الضعيف والموضوع، وأعرضوا عن الصحيح والحسن، ونقبوا عن المصائب ـ ولابد أن في تاريخ كل أمة مصائب ـ وتركوا الأمجاد والفضائل.. ركزوا على الجوانب السياسية بمشكلاتها، وأغفلوا الجوانب الأخلاقية والعلمية والمعمارية والعسكرية والاقتصادية والفكرية والأدبية وغيرها من جوانب الحضارة.. أساءوا التأويل عن عمد، وطعنوا في الشرفاء عن قصد، فخرج التاريخ إلينا مسخًا مشوهًا، يستحي منه الكثير، ويتناساه الأكثر، واقتنع المعظم بأنه إذا كان السابقون الأولون علي هذه الشاكلة، فكيف يرجى خير ممن لحق!!..لقد كانت حقًا جريمة كبرى!!!

(2) ـ جريمة تشويه الواقع: فهم طمسوا تاريخ المسلمين المشرق، فليطمسوا واقعهم وحاضرهم.. فليشترك المربون والإعلاميون من المستغربين في تغييب الأمة ، وزرع اليأس في القلوب ، وليساعد الإعلام الغربي في هذه المهمة ، فتسمى الأشياء بغير أسمائها ، فليكن الالتزام بالإسلام مرادفًا للإرهاب!!، وليكن الحجاب مرادفًا للتزمت!!، وليكن تطبيق الشرع مرادفًا للرجعية والجمود والتخلف.. إذا أجرم مسلم في الغرب قالوا أجرم مسلم ، وكذلك إذا أجرم مسلم ملتزم بإسلامه في بلاد المسلمين ذكروه بصفته الإسلامية..أما إذا أجرم نصراني فإنهم يذكرونه باسمه لا بدينه!.. كما في حادث تفجير"أكلاهوما"المشهور في أمريكا سنة 1995 حيث قالوا فعلها المسلمون، فلما تبين أن الذي فعلها نصراني قالوا فعلها"مكفاي"باسمه لا بديانته!! .. إذا أساء مسلم قالوا أساء مسلم، وإذا نبغ مسلم في علمه قالوا نبغ مصري أو سوري أو باكستاني، وصفوه بقوميته .. وآه من تصوير الملتزمين بالإسلام في وسائل الإعلام!!..كم من المرات يأتون بالشيخ أو المأذون في صورة هزلية مضحكة!!.. كم من المرات يأتون بالمسلمين في الأفلام التي يطلقون عليها إسلامية وهم في صوره عجيبة!!.. ينظرون نظرات حالمة، وأبصارهم معلقه بالسماء، ويبتسمون في بلاهة، ويتحركون ببطيء شديد، وكأن الإنسان إذا أسلم لابد أن يتخلف عقليا بهذه الصورة!!.. كم من المرات يأتون بمن التزم طريق الإسلام ينقلب من الحديث بالعامية إلى الحديث بالعربية الفصحى، وليتها الفصحى الرائعة التي أنزل الله بها القرآن ، والتي تحدث بها خير البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم يأتون بالمسلمين يتحدثون العربية في تنطع وتقعر شديدين، والذين حوله من الناس لا يفهمون، وينظرون إليه مستنكرين.. سبحان الله!!.. مع أن اللغة العربية من أرقي - بل هي أرقى - لغات العالم أجمع.

(3) جريمة تعظيم الغرب: فبعد أن حطموا النماذج الإسلامية في التاريخ والواقع رفعوا لك جدا من قيمة الغرب، حتى لا يبقي أمامك خيار إلا الإتباع الذليل، والتقليد الأعمى.. عظموا سلاح الغرب، ومدنية الغرب، وأخلاق الغرب، وعقل الغرب، وأدب الغرب، وفن الغرب، بل وعظموا لغة الغرب.. حتى افتتن المسلمون.. وأصبح الرجل يحرص على تعليم الإنجليزية لابنه أكثر من حرصه على العربية، وحتى تدرج الأمر بنا إلى أن ابتلينا بما أطلقوا عليه مدارس إسلامية"للغات"!!!، بحجة أننا يجب أن نعلم أبناءنا لغة الغرب لندعوهم إلى الإسلام!! أتتعلمها علي حساب لغتك؟ وبحجة أن الأعمال المرموقة لابد لها من لغة أجنبية جيدة.. هل على حساب لغة القرآن؟!.. وحتى لو أتيت لابنك بمعلم للعربية في البيت ، سيظل الطفل معظمًا للغته الأولى في مدرسته..أنا لست ضد تعليم الأطفال لغة أجنبية"ثانية"، ولكن بشرط أن تكون فعلًا لغة"ثانية"!!..لا أن ندرس للأطفال العلوم والرياضيات والجغرافيا والتاريخ باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو أي لغة أخرى إلا العربية!!.. هل هذا منطق مقبول؟!.. معظم البلاد التي ترجو صدارة تعظم من لغتها، وتقدمها على غيرها.. في فرنسا لو خاطبت رجلًا بالإنجليزية ما رد عليك إلا متأففًا لاعتزازه بلغته.. في ألمانيا كذلك إذا أردت أن تعيش هناك، فلا حديث إلا بالألمانية..بل أكثر من ذلك.. لقد ذهبت إلى المركز الثقافي الأسباني أبحث عن بعض الصور الخاصة بتاريخ المسلمين في الأندلس..والله ما وجدت عندهم كتابًا واحدًا بالإنجليزية فضلًا عن العربية..لم أجد إلا كتبًا باللغة الأسبانية فقط!!.. وعندما قلت لهم إن اللغة الأسبانية محدودة جدا في مصر، وعليهم أن يأتوا بكتب مترجمة حتى نفهمها، قالوا من أراد أن يعرف عنا شيئا فليتعلم لغتنا!!.. هكذا يعتزون بلغتهم المحدودة!!..لقد أدت جريمة تعظيم الغرب إلى فقد الطموح عند الشباب، وضعف الهمم، وهوان العزم، فيصبح أمل الشاب المسلم في الحياة أن يلقي بوطنه وأهله وراء ظهره، وينطلق إلي بلاد الغرب.. إلى أمريكا وأوروبا، ليعيش في جنة الله في أرضه كما يزعمون!!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت