ولكن الواقع أثبت أن دعوة دول الغرب إلى تطبيق الديمقراطية في العالم، مقيد ومشروط بأن تكون نتائج الديمقراطية وجود حكومات علمانية متشددة ضد الإسلام والمسلمين، في بلاد الإسلام والمسلمين، أما إذا أدت الديمقراطية إلى قيام دولة إسلامية تحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الديمقراطية مرفوضة، تجب محاربتها بكل الوسائل حتى لا يحكم الإسلام البلدان الإسلامية، وهذا ما حصل في الجزائر عندما فاز الإسلاميون في الانتخابات وكادوا يحكمون البلاد، مع أن الدولة الجزائرية ودول الغرب كلها والدول العلمانية في الشعوب الإسلامية، تعاونت جميعا على عدم فوز الجماعات الإسلامية في الجزائر، هذا كله كان قبل الانتخابات، أما بعد الانتخابات فقد جن جنون أعداء الإسلام في الغرب وفي الشرق، ووقفوا كلهم صفا واحدا ضد النتائج الديمقراطية التي يدعون إليها، وأصروا على نزول الدبابات وفتح السجون والمعتقلات، لزعماء الجماعات الإسلامية ومن يؤيدهم من الشعب، وسفك دمائهم وتعذيبهم وانتهاك أعراضهم ومطاردتهم وتشريدهم، وحجتهم في ذلك كله، الخوف من تولي الإسلاميين الحكم، فإنهم إذا تولوا سيقصون غيرهم من مناصب الدولة وسيحرم الشعب من التمتع بالحرية والخيرات، وهم يطبقون هذه الخطة، اقتداء بفرعون وملئه عندما حذروا الناس من موسى وهارون، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في قوله: {قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون} .
وغيرها من الآيات التي سبق ذكرها قريبا في هذه الوسيلة.
الوسيلة الخامسة: إغراء المؤيدين بالمناصب والأموال.
فالسحرة الذين جمعهم فرعون للاستعانة بسحرهم على موسى، سألوا فرعون هل سينالون منه أجرا إذا هم غلبوا موسى؟ فأجابهم بالإيجاب وزادهم إغراءً، بأنهم سيكونون من ذوي القرب والحظوة منه، وهذا ما يطمع فيه بائعو أنفسهم لذوي السلطان، قال تعالى: {فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين، قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين} .
وقال تعالى: {وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين، قال نعم وإنكم لمن المقربين} .
وهكذا يسابق دعاةُ الباطل دعاةَ الحق إلى عقول الناس بالمال والمنصب والجاه بدلا من الحجة والبرهان، وما أكثر المتهافتين على المال والمنصب والجاه ممن باعوا أنفسهم وعقولهم، فأصبحوا وسيلة من وسائل السباق إلى العقول بالباطل، وهم يعلمون أنهم على باطل، جريا وراء المصالح الوهمية التي يغريهم بها طغاة الباطل ضد الحق.
ولما كان أهل الباطل يملكون-غالبا-المال والجاه والمنصب، فإنهم يستقطبون ضعاف النفوس، ممن يعلمون الحق والباطل وقد يظهرون أنفسهم بمظهر أهل الحق، من أجل أن يخدعوا الجهال من أتباع الحق، فيصرفوهم عنه إلى الباطل باسم الحق، وإنما يفعل ذلك ضعاف النفوس هؤلاء مع علمهم بالحق الذي يحاربونه والباطل الذي يؤيدونه، لما ينالونه من أهل الباطل ودعاته من مال ومنصب وجاه، لأن ضعاف النفوس هؤلاء كلما كانوا أكثر نفعا لأهل الباطل وأكثر ضررا للحق وأهله، كان أهل الباطل أكثر إغداقا عليهم بما يطمحون إليه، وبخاصة المال الذي تنشأ به مؤسسات متنوعة يكون هدفُها سبقَ الباطلِ الحقَّ إلى عقول الناس، ويكون مديرو هذه المؤسسات من أمثال هؤلاء الضعاف، ولا تجد بلدا من بلدان المسلمين-في الغالب-يخلو من أمثال هؤلاء.
ولكن الذي يبشر بالخير أن كثيرا من المسلمين قد عرفوا قادة الباطل المُستَغِلِّين، وضعاف النفوس المُسْتَغَلَّين، وكشفوا أحوالهم فأصبحوا مثل مرضى الجذام ينفر المسلمون منهم ومن أفكارهم، إلا من أراد أن يهلك عن بينة.
الوسيلة السادسة: وضع قوانين وأنظمة تؤيد الباطل.
وهذه الوسيلة من أهم وسائل أهل الباطل في سباقهم بباطلهم إلى العقول، ذلك لأنهم إذا شعروا بظهور الحق للناس وتعلقهم به وميلهم إليه، لقوة حججه وبراهينه، ونفورهم عن الباطل ونبذهم له، لانكشاف زيفه وتهافت شبهه، أقول: إذا شعر أهل الباطل بذلك، فزعوا إلى أعوانهم من فئات الشعب يستصرخونهم، لوضع كل الوسائل التي تحول بين الحق وعقول الناس، وتمكن الباطل من الوصول إلى تلك العقول.
ومن تلك الوسائل: إصدار قوانين تحظر نشاط أهل الحق وتصد الناس عن الاستماع إليه وعن اتباعه، وتجعل كل وسيلة من وسائل وصول الحق إلى العقول جريمة، يعاقب عليها القانون، ويصبح كل من اتخذ وسيلة لإبلاغ الحق إلى عقول الناس، مجرما يستحق العقاب.
وبذلك يُسَهِّل قادةُ الباطل سبلَ السباق بباطلهم إلى العقول، ويفتحون لتلك السبل وأهلها الأبواب، ويمدون لها يد العون، ويحاصرون كل سبيل من سبل السباق بالحق إلى العقول، ويغلقون أمامها وأمام أهلها كل الأبواب.
وقد تكون تلك الأنظمة والقوانين ظاهرة، وقد تكون خفية، وقد يكون ظاهرها الرحمة، وباطنها من قبله العذاب.
إن كثيرا من البلدان الإسلامية التي يحارب حكامها الإسلام، تبيح قوانينها وأنظمتها الزنا، وكل الوسائل المؤدية إليه، ولا يعد جريمة إلا في حالات استثنائية خاصة، وعقوبة هذه الحالات لا تردع مجرما ولا تشفي غيظ معتدًى عليه ممن تنتهك أعراضهم، بل إن بعض قادة الباطل في تلك البلدان ينظمون تعاطي الفاحشة وتشرف على تنظيمه بعض مؤسسات الدولة، وذلك باسم الحرية الشخصية، وتنشر فضائح تلك الفواحش في وسائل الإعلام بأساليب متنوعة ماكرة، كما تنشر وسائل التحريض عليها بالصورة والكلمة باسم حرية الصحافة أو الإعلام الحر.
وعامة البلدان الإسلامية بها قوانين وأنظمة للمعاملات الربوية التي حرمها الله في كتابه وجعلها من محاربة الله تعالى.
ويكمن خطر تلك القوانين المؤيدة للباطل والمحاربة للحق، في أن الحكومات تفرض على الناس احترامها، وتخصص لها أجهزة تتولى تنفيذها قسرا، وتعاقب كل من يحاول بيان بطلانها ومعارضتها لحكم الله ورسوله، وتبالغ في مدحها والثناء عليها، وتنسب كل نعمة من نعم الله الدنيوية على العباد، إلى وضع تلك الأنظمة والقوانين وحمايتها وتنفيذها. ومع تطاول الزمان يألف الناس ذلك ويسهل عليهم العمل به، وتنشأ الأجيال في ظله لا تعرف سواه، فيرسخ في عقولهم أنه حق، ويعظم الخطر عندما يدعي أنصار الباطل أن ذلك من الإسلام أو لا ينافيه، فيقبله الناس على هذا الأساس، ويكون الخطر أشد عندما يجد دعاة الباطل ومؤيدوه من باع دينه بثمن بخس ممن ينتسب إلى العلم، فيفتي باسم الإسلام بأن ذلك الباطل أمر مشروع، وقد يكون ما أفتى به يخالف إجماع علماء الإسلام المبني على نصوص الوحيين، كما أفتى بعض العلماء في هذا العصر بإباحة الربا الذي هو حرب لله ورسوله، وكما أفتى بعض قادة الباطل ممن يحسبون من العلماء بأن سفور المرأة-وليس المراد بالسفور هنا كشف الوجه والكفين، بل المراد كشف غالب جسد المرأة-لا يخالف شرع الله!
وهكذا يضع أنصار الباطل قوانين مفصلة في كل باب من أبواب حياة الناس: الأسرية والمالية والاقتصادية والجنائية والسياسية والعسكرية والقضائية والتعليمية والإعلامية، تحاصر الحق وتطارده وتشوهه، وقد تستبيح دم أهله، وتؤيد الباطل وتنشره وتكرم كل من يدعمه ويدعو إليه.
الوسيلة السابعة: جعل التعليم منطلقا لتثبيت الباطل.
وهذه الوسيلة من أمضى الوسائل للسباق إلى العقول، بإبلاغ الحق أو الباطل إليها، وحجب الحق أو الباطل من الوصول إليها.
وذلك للأسباب الآتية:
السبب الأول: أن التعليم يرافق الإنسان من طفولته إلى شيخوخته، فهو مستمر باستمرار حياة الإنسان.