-ومما يثير العجب: أن العظم -رغم إلحاده- عقد فصلًا في كتابه السابق"نقد الفكر الديني"يدافع فيه عن (إبليس) !! سماه (مأساة إبليس) (ص55 وما بعدها) ردد فيه شبهات إبليس التي نقلتها بعض الكتب السابقة في اعتراضه على القدر؛ ككتاب"الملل والنحل"للشهرستاني (7-10) . ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الفتاوى (8/115) : (هذه المناظرة بين إبليس والملائكة التي ذكرها الشهرستاني في أول المقالات ونقلها عن بعض أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه) .
وقال -رحمه الله- معددًا طوائف القدرية (القسم الثالث: القدرية الإبليسية الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران [أي أنه قدَّر وأمر ونهى] ، لكن عندهم هذا تناقض.. وهؤلاء كثير في أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة) (الفتاوى 8 /260) .
ثم ختم العظم كلامه بقوله عن إبليس (ص85) : (يجب أن نرد له اعتباره بصفته ملاكًا يقوم بخدمة ربه بكل تفان وإخلاص!... يجب أن نكف عن كيل السباب والشتائم له، وأن نعفو عنه ونطلب له الصفح ونوصي الناس به خيرًا) !! فتأمل هذا (الكفر) ما أعظمه ؟
قد يقول قائل: كيف يكون العظم ملحدًا ثم يعترف بوجود إبليس ؟! فأقول: قد صرح الملحد في بداية كلامه -كما سبق- أنه لا يعترف بوجود إبليس لأنه لا يعتقد أصلًا بوجود خالقه ولكن بحثه -كما يدعي- (ص57) : (يدور في إطار معين لا يجوز الابتعاد عنه على الإطلاق؛ ألا وهو إطار التفكير الميثولوجي الديني الناتج عن خيال الإنسان الأسطوري وملكاته الخرافية) فهو يريد دراسة شخصية إبليس (باعتبارها شخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية، وطورها وضخمها خياله الخصب) (ص 57) .
ومع هذا: فقد قال الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه"هوامش على كتاب نقد الفكر الديني" (ص61) بأن بحث العظم عن إبليس: (لم يكن من بنات أفكاره، ولا من وحي ثقافته العلمية، وإنما استقى خطوطه الأساسية من بحث المستشرق"ترتون"عن الشيطان، وبحث المستشرق"فنسنك"عن إبليس المنشورين في الانسكلوبيديا الإسلامية) . قلت: انظر البحثين في دائرة المعارف الإسلامية (14/46-57) .
أخيرًا: فقد قام بالرد على العظم كثير من العلماء والكتاب؛ من أبرزهم:
1-الشيخ عبد الرحمن الميداني في كتابه"صراع مع الملاحدة حتى العظم".
2-الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه"هوامش على كتاب نقد الفكر الديني".
3-الأستاذ جابر حمزة فراج في كتابه"الرد اليقيني على كتاب نقد الفكر الديني".
4-الأستاذ محمد عزت نصر الله في كتابه"تهافت الفكر الاشتراكي".
5-الأستاذ محمد عزة دروزة في كتابه"القرأن والملحدون".
6-الدكتور عبداللطيف الفرفور في كتابه"تهافت الفكر الجدلي".
7-الباحث حسن بن محمد الأسمري في رسالته"موقف الاتجاه الفلسفي المعاصر من النص الشرعي". ( لم تطبع بعد ) .
8-الأستاذ أحمد أبو عامر في مقاله"إلى متى تنطح صخور الإسلام"في المجلة العربية (رجب 1413هـ) .
وقد قمت باختصار مقالة الأستاذ أحمد -حفظه الله- ليستفيد منها القراء؛ نظرًا لوفائها بالمقصود: قال الأستاذ أحمد: (صادق جلال العظم كاتب يحمل درجة الدكتوراة في الفلسفة، ويقوم بتدريس تخصصه في الجامعة الأمريكية في بيروت. ماركسي متطرف في توجهه وطروحاته الفكرية. من أشهر كتبه"نقد الفكر الديني"سأوضح نبذة عنه وكيف تصدى له كثير من العلماء والمفكرين بالنقد والمناقشة العلمية، ولا يغيب عن الذهن قول أحد المفكرين المعاصرين من حملة الفكر الفلسفي. إذ يقول: إن الفيلسوف إما أن يحيط بعلمه فيكون مؤمنًا أو لا يحيط به فيلحد، وجل الملحدين من هؤلاء أنصاف وأرباع فلاسفة. وهذا هو حال(العظم) الذي يتظاهر بمظهر الفيلسوف وهو ليس كذلك بل هو داعية ملحد في طروحاته الفكرية المعروفة. ولقد بدأ الرجل كاتبًا في عدد من الصحف الشيوعية والعلمانية المشبوهة مثل (الثقافة العربية) يسارية، و (دراسات عربية) ماركسية، و (حوار) وهي ذات عمالة لأحد مراكز الاستخبارات الغربية. وكانت تلك المجلات التي تصدر في بيروت تتبنى الطروحات الإلحادية من دعاوى مصادمة العلم مع الدين والدعاية لنظرية النشوء والارتقاء والدعوة إلى أن نهاية كل شيء هو الفناء والدعوة إلى الاتجاه المادي للحياة. وكتابات العظم في تلك المجلات التي جمع بعضها في كتابه (نقد الفكر الديني) يتبين منها إلحاده ومحاولة تستره خلف ظلال باهته من المعرفة المشوهة والعلم الناقص والادعاءات الفارغة والملونة بألوان من الفلسفة والفكر، وأنا حينما أقول ذلك لا أتجاوز الحقيقة كما سترون.
هو كما أسلفت جمع لعدد من مقالاته السابقة وبعض محاضراته التي ألقاها في بعض المنتديات اليسارية والعلمانية، ومن تلك المقالات (الثقافة العلمية والفكر الديني) ومحاضرته (مأساة إبليس) ومحاضرة (الله والإنسان في الفكر المسيحي المعاصر) والتعليق على زعم ظهور (مريم العذراء في مصر) وأما ما يعتبر جديدًا وينشر لأول مرة فهو مقالته عن الدعوة إلى التصور العلمي المادي للكون وتطوره. ومن خلال هذه العناوين يمكن تلخيص أفكاره في النقاط التالية:
1-الفكرة الأساسية للكتاب إنكار وجود الباري جل وعلا إنكارًا كليًا!
2-زعمه وجود تناقض بين العلم والدين.
3-إنكاره ما سماه بالنظرية الدينية وزعمه تناقضها مستشهدًا بقصة إبليس في القرآن الكريم.
4-دعوته لإقامة تصور مادي للكون وتطوره بمعزل عن الدين.
وقد تناول كثير من العلماء والمفكرين كتابه هذا الذي طارت به الصحف والمجلات الماركسية دعاية وتأييدًا كعادتها، لكن علماء الإسلام بعد قراءته نقدوه نقدًا علميًا بين تهافت أفكاره وسقوطها.
ولابد من وقفات سريعة تبين تهافت مزاعمه الإلحادية السابقة على النحو التالي:
أولًا: وجود الباري عز وجل: فالعظم لا يقتنع بالأدلة النقلية لأنه لا يؤمن بها أصلًا، فلم يعد أمامي سوى النقاش العقلي الذي أضعه في النقاط الآتية:
1-لابد لكل حادث من محدث ؛ إذن هذا العالم وما يحويه لابد له من خالق مبدع متصف بصفات الكمال منزه عن صفات النقصان وإنكار ذلك ضلال وخطأ.
2-هذا الكون ليس أزليًا لا ابتداء لوجوده ؛ إذ لو كان كذلك لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط في الوجود وهذا ما يؤكده العلم التجريبي في (القانون الثاني للحرارة الديناميكية) والذي ينص على أن الطاقة في الكون تقل تدريجيًا بصورة مطردة. وبما أن له بداية فلا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه كما مر في الفقرة الأولى.
3-القول بالمصادفة بالنسبة لنظام الوجود الشامل المحكم ذي الإتقان العجيب لا يقول به إلا جاهل بعيد عن التحقيق ومكابر يرى الحق ويعرض عنه وهذا ما تؤكده القاعدة الرياضية في حساب الاحتمالات أو (قانون المصادفة) وتفصيلة يطول به البحث. ومن ينكر هذه الحقائق العلمية فما عليه إلا أن يعالج نفسه من أسباب الإنحراف الفكري من جهل وكبر وهوى وتردد في قبول الحق وحينها ستشرق في نفسه بوادر الحق وتتلألأ في قلبه أنوار اليقين.