فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 2255

إن الليبراليين يريدون الإباحية المطلقة حتى ولو صرحوا بخلاف ذلك كخطوة مرحلية، والدليل على ذلك سلوكياتهم الخاصة التي لا تقف عند المحرمات التي يدعون الالتزام بها، والانبهار الواضح في كتاباتهم بالغرب وبالعيون الزرقاء والخضراء على طريقة رمزهم طه حسين عندما قال"علينا أن نأخذ الحضارة الغربية بحلوها ومرها"والعجيب أنهم لا يترددون في وصف الإسلام بالسماحة والعدل والتيسير في حين أنهم لا يلتزمون بأي شي وردفي الشريعة حتى ما كان منها معلومًا من الدين بالضرورة. هذه المقولة تختفي عندما يأتي من يفتي لهؤلاء بما يتوافق مع أهوائهم وتراهم يستشهدون بأقوال أحد العلماء الذين صبوا عليهم كل أنواع الشتائم..إنه الفريق من الناس الذي قال الله عز وجل عنه ( ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين-وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون-وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين-أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون) ، يقول صاحب الظلال: هذا الفريق إنما هو نموذج للمنافقين في كل زمان ومكان..المنافقين الذين لا يجرؤن على الجهر بكلمة الكفر، فيتظاهرون بالإسلام، ولكنهم لا يرضون أن تقضي بينهم شريعة الله، ولا أن يحكم فيهم قانونه، فإذا دعوا إلى حكم الله ورسوله أبوا وأعرضوا وانتحلوا المعاذير"وما أولئك بالمؤمنين"فما يستقيم الإيمان وإباء حكم الله ورسوله، إلا أن تكون لهم مصلحة في أن يتحاكموا إلى شريعة الله. أ.هـ. وهكذا رأينا من يرفض تطبيق الشريعة جهارًا ويدعو إلى الفساد علنًا يستدل على صحة رأيه بحديث ضعيف أو موضوع أو حديث صحيح لم يفهم معناه!!

المصدر: لها أون لاين

طوائف لبنان.. والمشي فوق الألغام

د. نهى قاطرجي

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن لبنان بحدوده الحالية ومساحته البالغة 10452 كيلومترًا مربعًا بلدًا معروفًا قبل 31 أغسطس 1920م؛ تاريخ إعلان الجنرال"غورو"الفرنسي دولة لبنان الكبير، حيث ضمّ إليه ولاية بيروت مع أقضيتها وتوابعها (صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار) والبقاع مع أقضيته الأربعة (بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا) ، فاتسعت مساحته من 3500 كلم مربع إلى 10452 كلم مربع، وازداد سكانه من 414 ألف نسمة إلى 628 ألفًا.

أما قبل ذلك التاريخ فكان هذا البلد جزءًا من أراضي سورية يطلق عليه اسم"جبل لبنان"، ويضّّم قسمًا من سلسلة جبال لبنان الغربية امتدت من بلدة بشرى شمالا حتى بلدة جزين جنوبًا. وقد شكل هذا البلد الصغير مع سورية والأردن وفلسطين بأشكالها الحالية ما يعرف في التاريخ الإسلامي ببلاد الشام، تلك الأرض الإسلامية التي مدحها رسول الله [ وذكر محاسنها إلى قيام الساعة.

ولقد كان لبنان وعلى مدى تاريخه الطويل عرضة للهجمات والغزوات حتى يكاد يضرب به الرقم القياسي في عدد الأمم التي احتلته وحكمته، انطلاقًا من ملوك آشور وبابل ثم الفرس والفراعنة فالإسكندر الأكبر فالسلوقيون فالبطالسة ثم الرومان..

وبعد المسيح عليه السلام تعاقب عليه البيزنطيون فالأمويون فالعباسيون فالطولونيون فالسلاجقة فأتابكة سورية فالفاطميون فالصليبيون وبنو زنكي فالأيوبيون ثم قلاوون وسلالته ثم المماليك البحرية ثم بنو عثمان ثم فرنسا.

ورغم كثرة الدول التي احتلت هذا البلد، كاليونان والبيزنطيين، أو التي جاءت لتحرره من المحتلين كالجيوش الإسلامية، فإن كتب التاريخ الحديث تركز دومًا على المرحلة الأخيرة من الخلافة العثمانية التي حكمت جبل لبنان منذ عام 1516م، وذلك في محاولة لذكر المساوئ ونسيان المحاسن، مع أن العثمانيين لم يحكموا جبل لبنان بشكل مباشر إلا لفترة قصيرة لم تتجاوز العشرين عامًا (1841-1861م) . أما قبل هذه الفترة فكانت مناطق"جبل لبنان"تخضع لحكم أمراء الطوائف الرئيسة فيه وهم الدروز، الذين تمثل حكمهم بالأمراء المعنيين (1516-1697م) ومن بعدهم الأمراء الشهابيين (1697-1841م) ومن ثم انتقل الحكم إلى النصارى إثر المجازر التي وقعت بينهم وبين الدروز في الفترة من 1840-1860م، ونتج عنها تحول"جبل لبنان"إلى نظام المتصرفية.

إن القارئ لتاريخ لبنان الحديث منذ الحكم العثماني إلى اليوم يمكن أن يحصر معاناة هذا البلد بسببين أساسيين:

1-التدخل الأجنبي

الذي بدأ منذ وقت بعيد، منذ عهد الأمراء المعنيين، حيث كان للأمير فخر الدين المعني الثاني (1572- 1635م) علاقات واتصالات مع أمير توسكانا (إمارة إيطالية) تهدف إلى الانفصال عن السلطنة العثمانية وإقامة إمارة مرتبطة بالغرب، ولكن مشروعه الانفصالي التغريبي فشل وتم إعدامه في الآستانة. ثم استمر هذا التدخل الأجنبي في العهد الشهابي مع الأمير بشير الثاني الشهابي الذي تحالف مع محمد علي باشا والي مصر من أجل مواجهة السلطة العثمانية المتقهقرة.

بعد ذلك برز هذا التدخل بشكل واضح إثر صدور البروتوكول الخاص بنظام المتصرفية الصادر عام 1860م، والذي تمكنت بموجبه كل من بريطانيا وفرنسا والنمسا وروسيا وبروسيا (ألمانيا) من فرض إرادتها على الدولة العثمانية وسلمت منذ تلك الفترة زمام البلد إلى النصارى، وجعلت باقي المذاهب في موقف التبعية.

وقد استمر هذا التدخل في عهد الاستعمار الفرنسي المعروف بعهد الانتداب (1918-1943م) ، الذي كان نتيجة توقيع اتفاقية بين بريطانيا وفرنسا عرفت باتفاقية سايكس بيكو، نتج عنها اقتسام الميراث العثماني في المشرق العربي، فكان لفرنسا النفوذ والوصاية على لبنان وسورية، وكان لبريطانيا النفوذ في فلسطين وشرق الأردن والعراق.

2-الطائفية

يلاحظ أن التدخل من قبل الأجنبي في لبنان كان دائمًا يأتي عن طريق استغلال الطائفية وتنميتها وتوظيفها سياسيًا، وكانت كل طائفة تسعى من أجل حماية وجودها إلى الاحتماء بإحدى البلدان الأجنبية، مما جعل الساحة اللبنانية مادة قابلة للانفجار في أية لحظة.

ففي فترة الصراعات طائفية ما بين الدروز والموارنة بين العامي (1840-1860م) كانت كل طائفة من الطائفتين على ارتباط وثيق بإحدى الدولتين الكبيرتين آنذاك بريطانيا وفرنسا، فالدروز احتموا بالبريطانيين خلال أحداث 1860م، مما سمح لبريطانيا باستغلال ذلك من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للسلطنة العثمانية من جهة، ولمنافسة فرنسا من جهة أخرى.

أما فرنسا فأصبحت صاحبة الحق في حماية الطوائف الكاثوليكية والموارنة، ذلك أنها أعلنت بلسان"روبير كولوندر"، رئيس البعثة السياسية الفرنسية في بيروت، غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى، أن مجيئها إلى لبنان هو لحماية أصدقائها الموارنة وضمان مصالحهم، وبالفعل فقد قامت فرنسا بتدريب المسيحيين عامة والموارنة خاصة على كيفية إدارة شؤون البلاد أثناء فترة حكمها المباشر للبنان بين عامي 1920 1943م، ثم سلمتهم السلطة بعد مغادرة جيوشها نهائيًا لبنان عام 1946م.

وبعد هذا التاريخ تفرد الموارنة بحكم لبنان حتى انتهاء الحرب الأهلية (1975 1990م) ، مع أنه لا يوجد نص في الدستور اللبناني يحدد طائفة رئيس الجمهورية.

لقد كان لسياسة التمييز بين الطوائف أثرها في انفجار الحرب الأهلية في أبريل 1975م. نتيجة الاحتقان الناجم عن الغبن الذي تعرضت له الطوائف الإسلامية، والتمايز بين المناطق والطوائف، إضافة إلى محاولة جعل لبنان تابعًا للدول الغربية، يسير في ركاب الحضارة الغربية مع محاولة سلخه عن محيطه العربي والإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت