قد يسأل سائل حول التأصيل الشرعي للمشاركة في التشريعي ، فنقول- كما ورد في دراسة فقهية للحركة الإسلامية في الخليل- أن جمهور علماء الأمة الإسلامية قد أجازوا هذه المشاركة ،وعلى رأسهم الإمام الشهيد حسن البنا، والإمام أبو الأعلى المودودي، والعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، ، والإمام محمد أبو زهرة، ، والشيخ محمد عبد الله الخطيب، والشيخ علي الخفيف، والعلامة الشيخ مناع القطان، والعلامة الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور عمر سليمان الأشقر، والشيخ حسن الهضيبي، والشيخ عمر التلمساني، والشيخ مصطفى مشهور، والشيخ فتحي يكن، والدكتور محمد عبد القادر أبو فارس، ، والشيخ عباسي مدني، والدكتور سالم البهنساوي، وغيرهم كثير.
كذلك على رأس القائلين بجواز المشاركة في انتخابات المجالس البرلمانية، كبرى الحركات الإسلامية العاملة،"جماعة الإخوان المسلمون"والجماعة الإسلامية في الباكستان وفي ماليزيا وتركيا غيرها .
وقد استدلوا على قولهم بالقرآن والسنة والمصلحة.
أولا: أدلتهم من القرآن:
1-قوله تعالى: ( ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأوْلئك هم المفلحون) . [آل عمران /104] .ووجه الدلالة في الآية: أن هذه المجالس منبر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تمامًا كمنبر المسجد والتلفاز والمجلة، بل هي أجدى وأقوى وأبعد أثرا في حياة المجتمعات. ولا يعقل أن نترك مكانا كهذا - مع ما له من تأثير في الحياة العامة للأمة - يعتدى فيه على الشرع، ويقرر فيه نقيضه، دون أن نأمر بالمعروف وندعمه، وننهى عن المنكر ونقمعه. قال الإمام القرطبي: (فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببا لهلاكهم) . [تفسير القرطبي:4/152] .
2-قوله تعالى: ( ادْعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والمعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربَّك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) . [النحل/125] . قال الإمام الطبري: (يقول تعالى لنبيه: ادع يا محمد من أرسلك ربك إليهم إلى طاعته وإلى شريعته التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام) . [تفسير الطبري: 8/194] .
فإذا أمكن للحركات الإسلامية أن تعلن حكم الشرع في المسائل المعروضة على رؤوس الأشهاد في تلك المجالس، وتدعو إلى تطبيق شريعة الله، وتنقل ذلك وسائل الإعلام للأمة كلها، كان حينئذ لزاما علينا فعل ذلك.
3-قوله تعالى: ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السُّحت لبئسَ ما كانوا يصنعون ) . [المائدة/63] .
فالآية ذمت هؤلاء لعدم قيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الإمام ابن كثير: (أي كان لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك، ليحذر أن يركب مثل الذي ارتكبوه فقال: [لبئس ما كانوا يفعلون] ) . [تفسير ابن كثير:2/618] .
والمشاركون في هذه المجالس من الدعاة المسلمين سينهون عن المنكر والمأثم قطعا، فهم يصرحون بأن مشاركتهم قائمة على أساس الأمر والنهي.
أدلتهم من السنة:
1-قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) . [أحمد ومسلم والترمذي والنسائي] .
فما دام التغيير في مقدورنا، فعلينا القيام به، وهذه المجالس لا يتيسر إزالة أو إنكار المنكر الذي يعلن فيها إلا لمن دخلها، فكيف نترك الأمر والنهي في هذه المجالس مع عظيم تأثيرها في الأمة. قال الإمام النووي: (ثم إنه قد يتعين - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - كما إذا كان [المنكر] في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو) . [شرح النووي على مسلم:2/24] .
2-قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، يَقْدِرون على أن يُغيِّروا ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يَعُمَّهم الله منه بعقاب) . [أبو داود] . قال الإمام النووي: ( وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله - تعالى - بعقابه) . [شرح النووي على مسلم:2/24] .
هذا والجميع يرى أن للنواب في هذه المجالس حق الكلام والمناقشة لكل مسؤول في الدولة، وحق الاعتراض على كل ما تقوم به الحكومة، وهذا تغيير للمنكر باللسان. وإذا كان النواب الملتزمون بالشرع لهم اليد العليا في المجلس، أمكنهم حينئذ تغير المنكر باليد.
3-فعل النبي - صلى الله عليه وسلم: حيث عمد إلى الاستفادة من نظم المجتمع الجاهلي التي كان يتحاكم إليها أهل الجاهلية في إفادة الدعوة الإسلامية، والأمثلة على ذلك كثيرة نقتصر على أهمها:
1-إجارة أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم:حيث ظل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الإسلام تحت حماية عمه دون أن تمسه قريش بسوء قرابة عشر سنوات، ولم يتخل أبو طالب عن ابن أخيه، أو يرفض ابن أخيه حمايته. [سيرة ابن هشام:1/264] .
2-حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوة السلاح الجاهلي في شعب أبي طالب:
فعندما رأت قريش إصرار أبي طالب مع بني هاشم وبني المطلب على حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - عمدت إلى مقاطعتهم، وتمالأ على ذلك الأحلاف وهم: بنو عبد الدار وبنو جمح وبنو مخزوم وبنو سهم وبنو عدي، وحصروا بني هاشم وبنو المطلب جميعا مسلمهم وكافرهم في الشعب، مطالبينهم بتسليم النبي لهم ليقتلوه. وكان أبو طالب في الشعب يحتاط لحفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يأمر أحد بنيه بالنوم في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رآه الناس يستلقي فيه تمويها عليهم. [سيرة ابن هشام:1/351] . [الرحيق المختوم/98] .
3-دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة في جوار المطعم بن عدي عندما عاد من الطائف:
حيث إن قريشًا منعت النبي - صلى الله عليه وسلم - من دخول مكة بعد عودته من الطائف، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو والمطعم بن عدي تباعا ليدخل في حماية أحدهم، فرفض الأخنس وسهيل لأسباب تتعلق بقانون الإجارة الجاهلي، وأجاب المطعم بن عدي، حيث أمر بنيه وقومه بني نوفل بحمل السلاح وقال لهم: أني قد أجرت محمدًا، فكونوا عند أركان البيت بسلاحكم، ثم نادى في قريش يعلمهم إجارته للنبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فطاف بالبيت وصلى ركعتين ثم دخل منزله. [سيرة ابن هشام:1/381] . كل ذلك وسيوف المشركين من بني نوفل مشرعة تحميه من مشركي قريش.
وتعقيبا على كل ذلك نقول: إن واقع الحركات الإسلامية يتطلب منها حسن الاستفادة من النظم القائمة لتحقيق بعض المنجزات لدعوة الإسلام ودعاته، أو حماية الدعوة من الفناء والهلاك، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يسمى هذا العمل من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - رضىً بأحكام الكفر، أو رضىً بما يشرعونه من دون الله، أو ركونا ومساندة للذين ظلموا. وإن دخول المجالس التشريعية لا يخرج عن هذا المعنى، فلا يقال لمن عمد إلى الاستفادة من نظم لا تحكم بالإسلام دون الرضى بها: إنه رضي بالكفر وقوانين الكفر، وأن هذا كفر.
4-توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة بالهجرة إلى الحبشة:
حيث قال لهم موجهًا: ( لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه) . [سيرة ابن هشام:1/321] .