فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 2255

وإن كانت المرأة المسلمة قد كلفت شرعًا بالقيام بالدعوة إلى الله فإن ذلك التكليف مبني على عدة مسوغات وأسباب يتضح من خلالها مدى ما تحققه تلك المسوغات والأسباب من بيان شامل لإمكانية مشاركة المرأة بالدعوة، فإن المرأة في الغالب تكون أقدر من الرجل على بيان وتبليغ بعض ما يخص الوسط النسائي نظرًا لتجانس الظروف. أضف إلى ذلك أن مجال تأثر المرأة بأختها سواء في القول أو في العمل والسلوك أكثر مما تتأثر المرأة فيه بالرجل، لأن فعل المرأة الداعية هو نفسه نوع من دعوة النساء بفعلها على عكس الرجل حيث يكلف بأمور لا تكلف بها وتكلف المرأة بما لا يكلف به الرجل. والمرأة بحكم معاشرتها لمجتمع النساء تستطيع أن تطرق المجالات كافة التي تحتاجها المرأة في مجال الدعوة. كذلك تميز الأولويات في القضايا الخاصة بهن وتستطيع وبشكل واضح ملاحظة الأخطاء سواء ما يتعلق بالعقيدة أو العبادات المفروضة أو السلوك مما يدفعها إلى التنبيه وتصحيح الخطأ.

ويتسنى للمرأة القيام بالدعوة الفردية الذي يصعب على الرجل القيام به مع تحريم الخلوة. كذا سهولة الاتصال وذلك من خلال المدرسة والزيارات المتكررة والهاتف.

بل إن المرأة الواعية لأهمية دورها لهي خير قائد وخير حامل لهذا اللواء خاصة، ونحن نؤمن فيما لا مجال للشك فيه أن مجتمع النساء بحاجة إلى تكلم المرأة الداعية الموجهة، مع وجود ذلك التيار القوي الذي يستهدف المرأة لكونها مربية الأجيال، فهو لن يهدأ حتى يخرج المسلمة من بيتها سافرة متبرجة تبيع دينها بعرض من الدنيا زائل.

إذًا فللمرأة في هذا المجال هموم وآمال وأفق جميل تنطلق إليه، ولكن قد يقف أمام تحقيقها عوائق ومصاعب ربما تقضي على مشروع المرأة الداعية في مرحلة من المراحل.

ويمكن تقسيم تلك المعوقات إلى نوعين:

الأول: هو نابع من المرأة نفسها فالسبب فيه عائد للمرأة نفسها.

الثاني: من قبل البيت الذي تعيش المرأة فيه ومدى دفعه ومنعه لها. ويشاركنا في مناقشة هذا الموضوع من زوايا مختلفة كل من: الشيخ سعد الغنام الداعية المعروف والأستاذة البندري العمر عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة بالرياض.

ويحسن أن نبدأ الموضوع من المعوقات داخل البيت فيأتي في مقدمتها:

أولًا: الأعباء المنزلية:

إننا إذا أمعنا النظر في نظام الحياة في العالم الإسلامي فيما يتعلق بخدمة البيت والزوج والأولاد لوجدنا أن طابع الحضارة الغربية والشرقية يكاد يسيطر على بيوت المسلمين. وإن استمرار هذا الطابع لهو أشد العوائق أمام المرأة عن الدعوة، وعلى ذلك فعلى الأمة إعادة رسم خارطتها الفكرية والعلمية من جديد على الأسس الموجودة في الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى تستطيع المرأة تحديد مسئوليتها في بيتها وأسرتها بدقة وفق وصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث المسئولية الذي يتضمن"والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها".

يقول الشيخ سعد الغنام في أثناء حديثه عن الأثر المترتب على إهمال المرأة الدعوة داخل نطاق البيت والأسرة قال: إن عجز المرأة عن إقامة محضنٍ تربوي في مقر بيتها، يعني شللها التام عن القيام بدور فعال في المجتمع الكبير، وهذا هو الواقع مع الأسف، ونرجو أن لا يكون ذلك سببًا للإحباط بقدر ما يكون دافعًا للتصحيح والنقد الهادف، التربويون يقولون بأن السنوات الأولى من حياة الطفل تترك آثارًا عميقة في نفسه، فهل يا ترى استشعرت المرأة المسلمة هذه المرحلة الذهبية للنقش والتكوين لتجذير مسائل العقيدة والأخلاق؟ ولا شك أن خلايا المجتمع تبدأ من الأسرة ولذلك سارعت وسائل الدمار العقدي والأخلاقي لتقويض دعائم الأسرة المسلمة، ومن ثم تفتيت المجتمع الإسلامي وإفراغه من محتواه.

كثيرة هي البيوت التي تضج بالمنكر بأنواعه وفنونه، ولا تخلو كذلك من وجود فتيات صابرات ويسكتن على ذلك على مضض ويستعظمن ممارسة الدعوة في بيوتهن رهبة وإكبارًا لأمرها. الأستاذة البندري العمر عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة تضع إشارات على طريق من كانت تلك حالها تقول: لا بد من الصبر والمصابرة وعدم اليأس، والاستعانة بالله تعالى والاستمرار في الدعاء، ثم على من كانت تعاني من مثل هذا الحال أن تحرص على فن التعامل معهم واكتساب ذلك عن طريق القراءة في الكتب التي تعتني بالموضوع وسماع الأشرطة التي تتحدث عن ذلك؛ حتى تكسب قلوب أفراد عائلتها وإذا تم لها ذلك سهل الطريق أمامها، كما عليها أن تفقه الأولويات وكذلك تعرف المصالح والمفاسد وتعلم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما عليها أن تسعى وتعمل لنقلهم من المعاصي إلى المباحات، فإذا تيسر وحان وقت العبادات التطوعية وتهيأت أنفسهم لها نقلتهم إليها، كما أن عليها أن تحرص على غرس احترامها في نفوسهم حتى لا يجاهروا أمامها بالمعصية فتضطر إما للسكوت على الإنكار أو الانفعال فيحسب عليها لا لها وينهدم ما قد بنته في أيام وليال، وعليها أن تحرص على التخلق بالحلم والصبر والأناة، وكذلك تحرص على الدعوة بطرق غير المباشرة كالثناء عليهم ثم استهجان بعض التصرفات التي تقع من الناس في مجلس آخر وقد تقع منهم، أو الثناء مع إظهار أنهم لا ينقصهم إلا ذلك الأمر فإن هذا يدعوهم لقبول النصح لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"نعم الرجل عبدالله لو كان يقوم من الليل".

ثانيًا: داخل البيت رب الأسرة:

أيضًا يدخل ضمن المعوقات داخل البيت رب الأسرة، فترى كثير من النساء أن رب الأسرة أبًا كان أو أخًا أو زوجًا يمثل عائقًا أمام المرأة في الدعوة.

ويعود هذا العائق إلى عدة أسباب لعل من أبرزها:

أ- عدم اقتناع رب الأسرة بمسئولية المرأة الدعوية، فكثير هم أولئك الرجال الذين يهمشون دور المرأة ولا يرون أنها أهل لأي عمل علاوة على أن يكون عملًا دعويًا. فيظن أحدهم أن دور المرأة ينحصر في تربية الأولاد والقيام على شئون البيت وسد متطلباته وحسب، ولا يراها مجدية في غير ذلك؛ لكونه يرى كثرة الدعاة إلى الله والعلماء، وفي المقابل تراه يتحرج من سؤال زوجته أهلَ العلم إن هي اضطرت لذلك، مما يدل دلالة واضحة على أهمية انخراط المرأة في هذا المجال ولو على الأقل لسد حاجة النساء في أمور الفقه وغيرها.

ولعل غالب أحوال أولياء الأمور من هذا النوع عدم الاستقامة، لكن نقول أن على المرأة الداعية القيام بواجبها في الدعوة بأساليب الدعوة المعروفة.

كذلك من الأمور التي يمكن أن تكون عائقًا للمرأة عن الدعوة.

ب- سوء استخدام ولي الأمر للقوامة: فإن بعض أولياء الأمور لا يفهم من قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض إلا معنى التسلط وظلم المرأة وعدم إعطائها الحرية في مشاركته الرأي، في حين أن قوامة الرجل على المرأة إنما هي قوامة تنظيم وإدارة ورياسة عامة للأسرة ليس لأحد من أفرادها الخروج عليها، وإذا كان المسلم يعرف أن سبب إسناد هذه القوامة إليه من الله عز وجل إنما هو ما فضل الله به الرجال على النساء وبما أنفقوا؛ فإن هذه المكانة لا تعطيه حق ظلم رعيته أو توجيه الإهانة والازدراء لهم والتضييق عليهم.

ويؤكد الشيخ سعد الغنام ذلك فيقول: إن الوسطية والتوازن من أعظم النعم التي يمن بها سبحانه على عباده، وفي موضوعنا هذا هناك أناس محرومون من فتح باب الخير لمحارمهم للانطلاق في ميدان الدعوة، وهناك آخرون منفلتون في ذلك بدون ضوابط والتوفيق بيد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت