ولكن ما مدى تطبيق الدول المتحضرة لحقوق الإنسان التي أقرتها وتعاقدت عليها؟
إن نظرة خاطفة إلى تصرفات الدول المتحضرة! في هذا المجال تظهر للناظر الأمور الآتية:
الأمر الأول: أن الجنس الأبيض الغربي، لا يرى أي جنس آخر يقترب من مرتبته، وأنه هو وحده الذي يجب أن يسود، يتضح هذا عمليا، فصاحب اللون الأسود مكث فترة من الزمن بعد إعلان حقوق الإنسان، لا يحق له أن يختلط بالبيض في المدارس والجامعات والفنادق والمطاعم، ولم يَخِفْ هذا التمييز إلا بعد كفاح مرير من السود في أمريكا، وإذا ما وصل الأسود إلى وظيفة حاكم المدينة بسبب كثرة أنصاره من السود، أخذت أجهزة الإعلام تمن على السود بما وصلوا إليه، وقبل سنوات فازت امرأة سوداء في الانتخابات النيابية لتكون عضوا في الكونجرس الأمريكي، فأحدثت أجهزة الإعلام ضجة كبيرة لتمن على تلك المرأة السوداء التي هي أول امرأة سوداء تدخل البرلمان الأمريكي.
وقبل سنوات رشح القس الأسود"جاكسون"نفسه في أول الأمر، ليكون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه شعر من أول وهلة أنه لا يساوي صفرا على اليسار فانسحب مبكرا.
ولا زال حي"هارلم"في نيويورك سبة في جبين الغرب، وهو حي يسكنه السود الذين يراهم الزائر كأنهم في كوكب غير كوكب الأرض، من البؤس والشقاء والحرمان، ويجوز أن يكونوا هم غير طامحين إلى مستوى معيشي أفضل، ولكن الإهمال المتعمد من قبل الحاكم الأبيض، له دور كبير في ذلك الشقاء، وهم على بعد أمتار من مبنى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الراعي لحقوق الإنسان!
وفي الدول الأوربية"المتحضرة!"تفرقة واضحة بين الإنسان المسلم والإنسان اليهودي، فالمجموعة الصغيرة من اليهود معترف بدينها في البلدان وتنال كامل الحقوق التي ينالها أهل البلد نفسه، والعدد الهائل من المسلمين لا تعترف أكثر تلك الدول بدينهم الإسلامي ولذلك حرم المسلمون من الحقوق التي حصلت عليها الطوائف اليهودية!
بل إن الهجمة الشرسة على المسلمين الآن في بعض الدول الأوربية تنذر بالخطر، فالقتل والاغتيال اللذان يتعرض لهما المسلمون في بعض الدول الأوربية-كفرنسا وألمانيا-وكذلك الاعتداء على بعض المراكز الإسلامية والمساجد، على مرأى ومسمع من الحكومات الأوربية، يدل على أن حقوق الإنسان المسلم في أوربا غير مرغوب في حمايتها، والحملات العنصرية تتصاعد ضد المسلمين كل يوم.
هذا على مستوى كل دولة على حدة.
فإذا نظرنا بعد ذلك إلى حقوق الإنسان في خارج الدول المتحضرة، رأينا من التحيز والتفرقة بين إنسان وآخر وشعب وآخر وجماعة وأخرى، ما يكذب دعوى الغربيين بأنهم حماة حقوق الإنسان.
دعاة حقوق الإنسان يكرهون الإنسان على التخلي عن عقيدته!
من حقوق الإنسان لدى الدول الغربية-وبخاصة أمريكا التي تزعم أنها حاملة لواء هذه الحقوق وحاميتها-عدم إكراه الإنسان على عقيدة معينة. فهل وفَّى حماة حقوق الإنسان بهذا الحق؟!
هذه أمريكا اليوم تسعى-وهي زعيمة الغرب-لإكراه أي دولة أو أي جماعة أو أي حزب في أي مكان في العالم، لإقامة منهاجها و نظامها ونشاطها على أساس علماني-بمعنى وجوب إبعاد أي تشريع مبني على أساس ديني عن حياة الشعوب-ومعلوم أن حياة المسلمين كلها يجب أن تبنى على أساس دينهم الذي نزل به كتابهم وجاءت به سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وهم-المسلمون-يعتقدون جازمين أن الله قد فرض تطبيق أحكام القرآن والسنة في حياتهم، وأنهم إن جحدوا هذا الفرض فقد خرجوا من ملة الإسلام، وأصبحوا أشد بعدا عن الله من جميع كفار الأرض، وإن خالفوا ذلك مع اعتقادهم بأنهم عاصون لربهم، فقد ارتكبوا كبائر الذنوب، ومع ذلك أصبح تطبيق الشريعة الإسلامية لدى أمريكا وحزبها (الغرب) جريمة وتطرفا وإرهابا، وانتهاكا لحقوق الإنسان، تُحارِب -أمريكا-أيَّ دولة تتجه لتطبيق شرع الله الذي تعتقد أنه مفروض عليها وعلى شعبها، تحاربها سياسيا واقتصاديا وتعليميا وإعلاميا ودبلوماسيا وعسكريا.
ومعنى هذا أن أمريكا وحزبها يفرضون على المسلمين فرضا ويكرهونهم إكراها، أن يعتقدوا أن حقوق الإنسان-المبنية على الكفر بشريعة الله وكتابه وسنة رسوله-هي الحق الذي يجب الإيمان به وتطبيقه، وأن يعتقدوا أن شريعة الله التي جاء بها القرآن والسنة باطل، لا يجوز أن تكون أساسا لأنظمتهم وحكمهم.
والدولة التي تطبق بعض أحكام الشريعة الإسلامية، يسلطون عليها وسائل إعلامهم ومنظماتهم الرسمية وغير الرسمية، فتوصف بأنها دولة وحشية وإرهابية ومنتهكة لحقوق الإنسان....! فأين تطبيقهم لمادة حقوق الإنسان التي تنص على حرية الاعتقاد؟ لما ذا لا يتركون المسلمين-وهم أهل الدين الحق الذي لم يبق دين في الأرض محتفظا بمرجعه الإلهي الصادق غيره-أحرارا في اعتقادهم وإيمانهم و تطبيق أحكام قرآنهم وسنتهم وشريعتهم ونظامهم الذي يختارونه؟ أليس هذا إكراها لدول وشعوب؟!! أليس إكراه الدول والشعوب أشد من إكراه الأفراد؟؟!!
دعاة حقوق الإنسان يحرمون الإنسان من المساواة التي منحه الله.
والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا استمرت عشرات السنين، والأوربيون يدوسون كرامة السود وهم أهل البلد: قتلوهم وعذبوهم وسجنوهم واعتقلوهم وشردوهم، ودعاة التحضر وحماة حقوق الإنسان ينكرون ذلك في أجهزة الإعلام، ويمدون أبناء جنسهم الأوربيين بكل ما يريدون من مال وسلاح وغيرهما، بطرق خبيثة ماكرة، وبخاصة عن طريق ربيبتهم المشابهة لدولة جنوب أفريقيا: دولة اليهود، ولا زالت الأغلبية السوداء صاحبة البلد تناضل من أجل حقوقها إلى الآن ولم تنلها. [ كانت كتابة هذه السطور قبل تحرر جنوب إفريقيا من حكم البيض.]
والتفرقة العنصرية اليهودية في فلسطين، لا زالت جاثمة على صدور أهل البلد، من الفلسطينيين الذين تداس كرامتهم، في منازلهم وشوارعهم ومساجدهم ومعتقلا تهم ومخيماتهم بكل وحشية، والدول الغربية المتحضرة تمد اليهود بالسلاح والمال والاقتصاد والدعم الكامل، سياسيا وعسكريا إذا اقتضى الأمر ذلك، أي إن حقوق الإنسان الفلسطيني مهدرة كحقوق الإنسان الأفريقي.
وتلك الهند تحتل أرض المسلمين في كشمير برغم قرارات"مجلس الأمن!"التي أعطت الحق للكشميريين في تقرير مصيرهم باستفتاء يجري بينهم، تقتلهم الهند وتسجنهم وتشردهم، والدول الغربية المتحضرة الحامية لحقوق الإنسان، تسمع وترى وتهز كتفيها غير عابئة بما يجري.
والمسلمون في بورما يقتلون ويشردون ويعذبون ويموتون جوعا، ودول الغرب المتحضرة حامية حقوق الإنسان تتفرج وكأن الأمر لا يعنيها.
والأغلبية المسلمة في الحبشة وإريتريا تحكمها أقلية تتصرف في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والدول المتحضرة حامية حقوق الإنسان تتفرج ولا تحرك ساكنا.
والأغلبية المسلمة في جنوب الفلبين تطالب بحقوقها، والدولة الصليبية تدوس كرامتها وتقتل وتشرد المسلمين، أمام أعين حماة حقوق الإنسان فلا تتحرك ضمائرهم.
والأغلبية المسلمة في جنوب تايلاند تضطهد وتحرم من حقوقها، أمام أعين حماة حقوق الإنسان!
والأغلبية المسلمة في البوسنة والهرسك تستأصل في بلدها، من قبل الصليبيين الصرب والدول الغربية تنذر وتتوعد ولا تحرك ساكنا.
والمسلمون في ليبريا يذبحون وتقطع السنة أئمتهم وتهدم مساجدهم وتنتهك أعراضهم، وحماة حقوق الإنسان يشاهدون دون أن يفعلوا شيئا!
لماذا كل هذا السكوت ولماذا يغض حماة حقوق الإنسان الطرف عن هذه المآسي، ولماذا لا يتدخل مجلس الأمن الظالم لنصر حقوق الإنسان المسلم.