الحياة السياسية في العالم الذي يقال عنه: إنه متحضر-تقوم كغيرها على أساس إبعاد منهج الله تعالى عن تسيير حياة البشر، وإحلال المناهج البشرية محله، وهو ما اشتهر بالعلمانية، والعالم الغربي منطقي مع نفسه في ذلك، بالنسبة للديانة النصرانية المحرفة.
فالإنجيل الذي بأيديهم ليس فيه ما يمكن أن يستند عليه في التشريع والسياسة والاقتصاد والاجتماع والقضاء وغيرها، حتى يقال للنصارى: احكموا بالإنجيل في سياستكم .
وأمر الله أهل الإنجيل أن يحكموا بما فيه، وكذا أمر أهل التوراة أن يحكموا بما فيها، المراد منه الاعتراف والإقرار برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم التي وردت في الكتابين، وأنكرها اليهود والنصارى وكتموها، وليس المراد الحكم بكل ما فيهما بعد نزول القرآن الذي هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، وقد بين ذلك المفسرون...
وأهل الغرب ليس عندهم-وخاصة ساستهم-استعداد لقبول تحكيم الإسلام حتى يبنوا حياتهم السياسية على مبادئه-لا سيما أن المسلمين أنفسهم لا يحكمون الإسلام في أغلب بلدانهم، فكيف يرجى من غيرهم أن يحكم به وهم بعيدون منه؟!.
لذلك قامت الحياة السياسية في الغرب-أوربا وأمريكا الشمالية وما دار في فلكها من البلدان، كاستراليا واليابان-على مبدأ الديمقراطية التي يقال عنها: إن الشعب يحكم نفسه بنفسه إما بصفة مباشرة-وهذه حلم لم يتحقق إلى الآن-أو عن طريق نوابه الذين يختارهم، والأسلوب الذي تدار به السياسة في الغرب أسلوب جذاب في ظاهره وبخاصة إذا قورن بالسياسة الاستبدادية"الدكتاتورية"التي اتبعها المعسكر الاشتراكي والدول المسماة بالعالم الثالث. فإن الشعب في الغرب يختار نوابه ويختار قادته بدون شراء الأصوات مباشرة وبدون تزوير واضح، وبدون مضايقة شرطية"بوليسية"يتنافس الزعماء الذين يرشحون أنفسهم لقيادة بلدانهم، فإذا اختير أحدهم سلم السابق الحكم للاحق بدون أي عناء أو مشقة، وهكذا تتداول الأحزاب الحكم بطريقة سلمية-بخلاف الزعماء الاستبداديين وأحزابهم، فإنهم لا يسلمون الحكم لخصومهم إلا بالسلاح.
ولكن هل هذه الصورة الظاهرة المفضلة على الاستبداد كما يراها الناس في ظاهرها حرة ليس فيها إكراه، ونزيهة ليس فيها خداع؟؟
والجواب: لا، فحريتها ظاهرية سطحية، ونزاهتها وهمية، فالأحزاب الغربية المسماة بالديمقراطية تضلل عقول الشعوب التي تنتخب الزعماء، عن طريق أجهزة الإعلام بتخطيط وتنظيم وتنفيذ معدة إعدادا محكما، من قبل مختصين في كل شأن من الشؤون التي تهم تلك الشعوب، وأجهزة الإعلام هي التي تُشتَرى بدلا من شراء الأصوات مباشرة، وهي تكذب وتجعل الكذب في صورة صدق، والزعماء يكذبون ويظهر كذبهم في صورة صدق، إضافة إلى القذارة الأخلاقية التي يتبعونها في اتهاماتهم لخصومهم بالحق والباطل، مع ما يعد به الزعيم الشعوب من الإنجازات التي يتبخر كثير منها بعد وصوله إلى كرسي الحكم.
وإذا علمنا أن أغلب جماهير الشعوب غوغائية، لا تفكر ولا تحلل ولا تشغل عقولها بمصالحها، وإنما تَسمع وتُستَخَف وتُقلِّد، وأن الذين يقودون تلك الشعوب هم أفراد قلائل، أدركنا أن تلك الجماهير شبه مكرهة على انتخاب أولئك الزعماء، بسبب التضليل الذي تفعله أجهزة الإعلام وشياطينها، وبسبب الأكاذيب والشتائم التي يكيلها كل مرشح لخصمه، والوعود التي يقطعها على نفسه.
ويترتب على ذلك أن الحزب الحاكم له مناهج وخطط وأهداف، كثير منها ليست هي التي يطمع فيها الشعب الذي انتخبه، فيمني الشعب بخسائر لم تكن بحسبانه، وبخاصة ما يتعلق بالاقتصاد الذي لا يكون الرفاه إلا بازدهاره.
كما أن أولئك الزعماء تكون لهم طموحات استعمارية وسياسية وعسكرية، فيجمعون بين أمرين:
الأمر الأول: التعالي على الشعوب الضعيفة وقهرها وأخذ خيراتها وجعلها مصدرا رخيصا للخامات التي يصنعها وسوقا يشعل فيه غلاء بضائعه وصناعاته، فيدمر بذلك اقتصادها، وقد يدمر جيشها وسلاحها.
الأمر الثاني: توريط شعوبهم-ليحققوا طموحاتهم-في حروب وعجز ميزانياتها بسبب إنفاق الأموال على وسائل تخفيف تلك الطموحات: من إنفاق مبالغ هائلة على السلاح وما يتبعه وعلى تنفيذ خطط إعلامية وسياسية وغيرها، وبذلك ترتفع الضرائب التي ترهق شعوبهم، بدلا من الرفاهية التي وعدوها بها.
والسبب في ذلك كله أن أولئك الزعماء يتصرفون بدون رقيب داخلي، والرقيب الداخلي لا يكون إلا بتقوى الله وهي معدومة عندهم.
نعم توجد رقابة من البرلمانات والأحزاب المعارضة، وتعلن فضائح ولكن بعد فوات الأوان، ثم إن الرقباء الذين يعارضون الحزب الحاكم، إذا تولوا الأمور فعلوا كما فعل من سبقهم وهكذا....
فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه هي حياتهم في المجال السياسي يعيشون في نور أو في ظلام؟!
وهذا مع اعترافنا أن أساليب سياسة الدول الغربية الديمقراطية، أفضل بكثير من أساليب الحكم المستبدة في الدول المسماة بدول الشمال، أو دول العالم الثالث.
المجال الخامس: حياة تطبيق حقوق الإنسان.
عندما يتابع المرء ما يصدر عن زعماء الغرب ومفكر يهم وأجهزة إعلامهم، عما يتعلق بحقوق الإنسان ينقدح في ذهنه-إذا كان خالي الذهن-ثلاثة أمور رئيسة:
الأمر الأول: أن حقوق الإنسان هذه مصدرها الغرب، فهو الذي ابتكرها، وهو الذي صاغها ووضعها، وهو حامل لوائها وناشرها والداعي إليها.
الأمر الثاني: أن المقصود بالإنسان جنسه، بصرف النظر عن لونه أو دينه أو نوعه أو أرضه.
فكل إنسان في الأرض يجب أن يتمتع بهذه الحقوق المنصوص عليها"بصرف النظر عن موافقة بعضها للإسلام أو مخالفته.."فهذا أمر آخر له موضوعه.
الأمر الثالث: أن حقوق الإنسان التي يدعون إلى تطبيقها، بلغت من الكمال والسمو والدوام ما يجعلها جديرة وحدها بالاتباع، وكل ما عداها من التشريعات لا تدانيها!.
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقرته الأمم المتحدة، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي دمرت العالم في مشارق الأرض ومغاربها، بسبب الأطماع الاستعمارية الغربية"المتحضرة!"وقد سبقتها الحرب العالمية الأولى.
وهذا الإعلان يؤكد على احترام حريات الشعوب والجماعات والأفراد دون تمييز (بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أي تفرقة بين الرجال والنساء..) .
وكان صدور هذا الإعلان سنة 1948م أي أن المدة التي مضت لصدور هذا القانون 53 سنة فقط، وقد مضى على نزول القرآن الكريم أكثر من 1422هـ. والقرآن والسنة والفقه الإسلامي المستنبط منهما قد تضمنت من حقوق الإنسان ما لم يخطر ببال أحد من الناس، بالتفصيل الوارد في الإسلام، ليس في الكليات فقط وإنما في أدق الجزيئات، ابتداء من وجود الجنين في بطن أمه إلى أن يوافيه الأجل الفرد والأسرة والشعب والدولة، وليس المقام مقام استعراض لذلك، لا لكلياته ولا لجزيئاته، وقد كتب بعض علماء العصر في هذا الموضوع [أي في حقوق الإنسان، ومنهم الدكتور علي عبد الواحد وافي والشيخ محمد الغزالي وغيرهم.] وهو مفتوح للكتابة فيه والمقارنة التي تخجل تلك المواد غير الوافية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بتفاصيل حقوق الإنسان الواردة في الإسلام.
يضاف إلى ذلك أن حقوق الإنسان المفصلة الربانية التي لا يعتريها النقص قد طبقت فترة طويلة من الزمن، فأسعدت العالم الذي استظل بظلها: مسلمه وكافره، ولا تزال تنتظر من يطبقها بصدق لتنعم الأمم بها كذلك.