فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 2255

مساكين هم ليبراليونا ، مستوردي القيم والأفكار والمناهج الغربية ، الذين حاولوا إقناع الأمة بالإقبال على الحضارة الغربية بكليتها ، بخيرها وشرها ، بحلوها ومرها ، بما يُحب منها وما يُكره ، وصاحوا بأنه لا محل للانتقاء فليست الحضارة (بقالة) تأخذ منها وتذر ، إنما تؤخذ جميعا أو تترك جميعا ، ولا مجال للترك! مساكين هم لطالما أُحرجوا من مصدري الأفكار ، وبائعي القيم ، تلك القيم التي شهد العالم أجمع زيفها وهزالها ، فكم تشدق الغرب بحقوق الإنسان ، وأضحى الجميع يعلم مواصفات هذا الإنسان محل الرعاية وصاحب الحقوق ، شرقوا وغربوا بالدعوة إلى الديمقراطية ، ثم أرادوا فرضها بالعصا الغليظة وبالدكتاتورية ، تنادوا للتسامح ثم وأدوها في معتقلاتهم وسجونهم في أبو غريب وغوانتناموا وغيرها ، واليوم الأمة مدعوة إلى النظر إلى قيمة غربية جديدة ، تظهر نفسها للعالم في أقبح صورة ، وأكلح وجه ، إنها (حرية التعبير) ، الحرية التي لا تعرف الحدود ولا القيود ، ولا محرم فيها ولا محظور ، حرية لا عيب فيها ، حرية لا يعدلها في القداسة قيمة أخرى ، حتى أضحت الحرية اليوم أقدس من الرب جل وعلا في الضمير الغربي ، فلهم أن يتكلموا عن الرب بما شاؤوا ، وكيف شاؤوا ، ممارسة لحرية التعبير ، (نعم لنا الحق أن نرسم كاريكاتيرا عن الله) ! كما قالها شقي من أشقيائهم عليه لعنة الله ، أما انتقاد حرية التعبير أو المساس من جنابها المقدس ، فحرام حتى على (حرية التعبير) !! لقد قالها المخلصون من قبل إن الحرية المزعومة عند دعاة الليبرالية ليس لها حدود تقف عندها ، فلا شرع يحوطها ، ولا عقل يحرسها ، وانظروا كيف ينتقدون الثوابت تحت شعارات الحق النسبي ، وانظروا كيف يطعنون في المسلمات عبر بوابة حرية التعبير ، وقد دفع الليبراليون عندنا التهمة ما استطاعوا وأنكروا ، وقالوا: سوء فهم لليبرالية ، وسوء ظن بالليبراليين ، وجهل بالثوابت ، وجهل بالمسلمات ، ثم تجئ الليبرالية الأصلية اليوم ، الليبرالية الأم ، والمُصدّر الأساس للفكرة لتقولها بملء الفم: ليس لحرية التعبير حد تنتهي إليه ، وليس لأحد الحق في المساس من جنابها المقدس أو النيل منها ، والحرية متى قيدت لم تعد حرية ، وصار صاحبها أسير القيد ، فلا ثوابت ولا مسلمات ، بل الكل خاضع للنقد ، بل وللاستهزاء والسخرية ، إن العالم الغربي يعيش أزمة حقيقية حيال هذه القيمة التي ضخمت وضخمت حتى غدت دينا جديدا يعبد فيها صاحبها هواه من دون الله ، ولم تعد للقيم الإنسانية والمفاهيم البشرية ما يكافئها وما يدانيها ، وما أزمتنا التي نعيشها اليوم معهم حيال ما وقع وجرى لنبينا صلى الله عليه وسلم إلا أنموذجا لتضخم هذه القيمة عندهم حتى يوشك أن يتلفهم ويهلكهم وقد فعل ، لقد اعتذروا لنا عن الاعتذار بدعوى حرية التعبير ، وصار السب والاستهزاء حقا مكفولا ترعاه الحكومات والدول الغربية تحت هذا البند (حرية التعبير) ، وصار معتنقوا هذا المبدأ وهم كثرة كاثرة مشاريع سب وشتيمة وإن لم يمارسوه ، إذ هم يبيحونه ويجوزونه وكفى بها جريمة ، ومن رضي بما وقع كمن فعل وقال ، لقد أظهروا تضامنهم وتآزرهم لضمان حقهم في حرية التعبير بإعادة نشر الصور هنا وهناك ، وليذهب المسلمون إلى الجحيم! وأعلنوا لنا مرارا أنهم غير مستعدين للتنازل عن حقهم المزعوم هذا لأي كان ، بل قال رئيس الوزراء الدنماركي: (القضية تتركز على حرية التعبير في الغرب مقابل المحرمات في الاسلام) ، وهكذا يريدون إقناعنا بقيمة حرية التعبير عندهم ، وأنه لا محل للتفاوض حولها ، ولا مجال للأخذ والعطاء ، ثم يأتي الليبراليون ويريدون إقناعنا باعتذارهم السخيف هذا ، فيقولون فيه: اعتذار (حقيقي) و (صحيح) !8 بل وتجاوزوا هذا ليؤكدوا على قداسة حرية التعبير وعدم تقبل فكرة التدخل في الصحافة على أي وجه وأي صورة9 ، حتى أنهم طعنوا في مواقف بعض الكفار الإيجابية من الأزمة واتهموهم بالانتهازية وأن الواجب عليهم (التأكيد على مبادئ حرية التعبير واحترام القانون) !10 وأن ما يرى من تهويل المسلمين لما وقع في جناب النبي صلى الله عليه وسلم عائد إلى عدم ممارستهم لهذه الحرية جراء ما يعانونه من قمع وكبت ، ولو أنهم ذاقوا طعمها لما قاموا ولما تحركوا ، فسحقا لهم ولحريتهم المزعومة هذه ، وهكذا يكون انتصار الليبراليون لقضيانا وإلا فلا! ، وبهذه المواقف يؤكد الليبراليون انسلاخهم عن الأمة فكرا ومنهجا وسلوكا.

ومع ما تقدم فمن العجيب أن فقاعة (حرية التعبير) هذه لا تلبث أن تتوارى زائلة إن مس جناب اليهود ، أو طعن في السامية ، أو شكك في محرقة الهوليكوست ، ليعلم الجميع أن الحضارة الغربية حضارة ازدواجية ، حضارة الكيل بمكيالين ، لا أخلاق ولا قيم تقوم عليها ، ولا مبادئ تستمر عليها ، إنما القيمة المقدسة الوحيدة عندهم -على الحقيقة- المصلحة ليس إلا ، فأينما كانت المصلحة فثم دينهم وشرعهم ، وإن داسوا في سبيل تحصيلها على الأديان والمبادئ والقيم ، وانظر إليهم اليوم كيف يتواصون بحرية التعبير ويتنادون بها ، ثم يستنفرون العالم للضغط على الشعوب المسلمة لوقف ثورة الغضب وإنهاء حالة المقاطعة ، وكأن حق التعبير حق خاص بهم فقط ، وأن الشعوب المسلمة حقها الكبت والحرمان ، إن ما يجري على الساحة من منازعة ومخاصمة حول حرية التعبير وحدوده قد كشف عن سوءة العالم الغربي والحضارة الغربية ، وإن ما يرى من التهارج حول حرية التعبير لمحرج جدا لليبراليي الداخل ، الذين أفنوا أعمارهم في التغني بالقيم الغربية ، والحضارة الغربية ، ثم تفجؤهم اللطمة بعد اللطمة لعلهم يتنبهون ، ومن غفوتهم يستيقظون ، وعلى دينهم يقبلون ، فيطلعوا على زيف القيم ، وهشاشة الحضارة ، حضارة الغرب التي لا روح فيها ولا خلق ، حضارة اللادين التي لا تعرف معروفا لا تنكر منكرا إلا ما أشرب من هواها ، فيتوقفوا عن التوريد ، ويقاطعوا تلكم الأفكار ، ويكشفوا الزيف ، ويفضحوا الباطل ، فيكفروا عما تقدم من خطايا عسى أن يغفر لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت