نعم...إنَّ من المهم أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال ، ثمَّ يبحثوا في الأسباب التي أَلَّبت هؤلاء الشباب المسلمين ليضربوا برجيها ضربة تأريخية،لا أن يتساءلوا تساؤل المظلومين وكأنهم لم يقترفوا شيئًا من الجرائم في تأريخ الإنسانية، كتساؤل بوش حين ضربت أمريكا قائلًا:لماذا يكرهوننا؟!
فيقال له:سل نفسك وابحث عن مكمن السبب ، فهو أمر أوضح من الشمس في رابعة النهار،وجوابه بكل تأكيد:ظلمتم المسلمين والإنسانية جمعاء فسلَّط الله عليكم مالم تحسبوا له حساب، ومع ذلك فقد بقيتم في إضرام نار المعركة ، لأنَّكم تريدون أن تستردوا هيبتكم بعد أن صفعتم على مرأى من الناس، واقترفتم في حق المسلمين مالم تقترفه أي أمة في حقهم ، ولهذا فالتهديدات التي تأتيكم من هنا وهناك ومن عدة جماعات مسلحة تنتسب إلى الإسلام لتضربكم في قعر داركم مرَّة أخرى ما هي إلا بسبب ما اقترفتم به في حق المسلمين ، بغض النظر عن شرعية الفعل أم عدمه ، وقد صدَّق هذا القول أناس كفار حين رأوا الإجرام الأمريكي في تعامله مع دول الشرق الأوسط التعامل الممقوت ومنهم الأستاذ الأمريكي (وارد تشرشل) في جامعة كولورادو الأمريكية حيث قال (إنَّ 11سبتمبر نتيجة طبيعية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، وحملة الإبادة الجماعية ضد العراق) ولذلك شنَّ اللوبي الصهيوني ، واليمين المتشدد، حملة دعائية ضده مطالبة بعزله من السلك التعليمي ، وحين واجه ذاك تشرشل ردَّ عليهم ، قائلًا (لن أتراجع قيد أنملةأنا لست مدينًا لأحد بالاعتذار) "18"وهذا السفير البريطاني السابق في روما يقول منتقدًا النتائج السلبية لسياسة بوش في حرب ما يسمى بالإرهاب حيث يقول (بوش خير من يجند للقاعدة) "19"
ولنذكر مثلًا أخيرًا من كلام أحد المقايضين للعنترية الأمريكية ، فالمحلل السياسي (ديفيد ديوك) وهو مرشح سابق للرئاسة وعضو سابق في مجلس النواب عن ولاية (لويزيانا) يقول في مقال له بعنوان (لماذا هوجمت أمريكا) (يجب علينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية كي نضع في الاعتبار الأسباب الحقيقية وراء كره العالم لنا ـ إذا اكتملت كل الحقائق لدينا ـ بدلًا من العبارات الممجوجة والمستهلكة مثل(الهجوم على الحرية) عندها فقط نستطيع أن نقرر ما هي أفضل السبل لحماية شعبنا في المستقبل)"20"
5 ـ المكر والمراوغة والدجل السياسي ، والنفاق المبطَّن ، والخداع الكاذب ، والتهرب من الحقيقة ، وهو منطق فرعون حين قال: (ماعلمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحًا لعلي أطَّلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين) ويذكر أنَّ لينين حين أسَّس الاتحاد السوفيتي أعلن مبدأه المعروف (اكذب واكذب حتى يصدقك الناس) وهذا الأسلوب تمارسه الإدارة الأمريكية وبدهاء، لإخفاء الحقائق عن الناس ، فالمرشح الأمريكي جون كيري كان يقول للشعب الأمريكي كما في إحدى المقالات التي نشرت في نيويورك في الأشهر الأخيرة (إنَّ أمريكا ستواصل الضغط على الدول العربية لوقف الإساءة إلى اليهود وإثارة الكراهية ضدهم) "21"وهذا كولن باول يقول في مؤتمر صحفي في العراق (نحن لسنا محتلين...لقد جئناكم كمحررين...لقد حررنا عددًا من البلدان ولا نملك شبرًا واحدًا في أي من تلك البلاد اللهم إلا حيث ندفن موتانا) "22"وممَّن بيَّن نفاق كولن باول ودجله السياسي ؛ المفكر الأمريكي الراحل (إدوارد سعيد) ـ الفلسطيني الأصل ـ حيث كتب (إنَّ كولن باول وصل في خطابه للأمم المتحدة ، والهادف إلى سوقها إلى الحرب إلى حضيض من الرياء الأخلاقي والغش السياسي) "23"ولو أتى رجل لم يعرف بأمور السياسة شيئًا لقال بعد سماعه خطاب باول السابق ذكره إنَّ هذا الرجل بريء جدًا وللغاية ، وهو لا يريد إلا الخير للناس والإنسانية جمعاء!!
لقد ذكرني هذا الرجل الطعن وكنت ناسيًا بمثل أحفظه من قديم عن مثل هؤلاء الساسة وهو: (تكلم بلطف واحمل عصًا غليظة) وصدق من قال:
ما جئت تنشر سلمًا في مواطننا *** لكن أتيت بتضليل وتمويه
فهؤلاء القادة شابهوا فرعون في خطاباته حين كان يقلب الحقائق، ويكذب على الناس، ويتلاعب بعقول البسطاء بقوله عن موسى ـ عليه السلام ـ: (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) وكم سمعنا من دهاقنة الإجرام الأمريكي ، أنهم ما أتوا للشرق الأوسط إلا لنشر قيم الحرية والتسامح ، والديموقراطية والعدالة،ومن ذلك قول الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض سكون ماكميلان: (إنَّ الطريقة الأفضل لتكريم كلِّ الذين فقدوا حياتهم في الحرب ضد الإرهاب هي مواصلة شنِّ حرب مكثفة ونشر السلام في المناطق الخطرة في العالم) ونقول:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت عظيم
والعجيب أنَّ هؤلاء الجلاوزة يتحدثون بهذا الحديث أمام شعوبهم وشعوبهم المخدرة الغافلة تصفق لهم وتهتف ؛ظانين أنهم هم رعايا السلام وحمائم العدالة،وقد شابه رؤساء أمريكا في استخفافهم بشعوبهم ؛ فرعون حيث قال تعالى عنه: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين) ومع ذلك فهؤلاء القادة ومع جرائمهم التي لا تحصر يرفعون شعارات العدالة والحرية ، وكلهم حقد دفين على الإسلام ، ويتعاملون مع أبناءه بسياسة الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير ، ويزداد العجب حين نجد أنَّ أمريكا تدعم انفصال تيمور الشرقية النصرانية عن أندونسيا ، وتحمي وتساند حركة الانفصال في جنوب السودان ، وبالمقابل فإنَّها تبقي كشمير المسلمة أسيرة في أيدي الهندوس، وفلسطين أسيرة في أيدي يهود،ومع ذلك ينادون بأهمية مكافحة الإرهاب،وإيقاف إفساد الجماعات المسلحة في شعوب الأرض، وما علموا بل يعلمون ويتجاهلون أنهم على رأس الإرهاب، والإفساد بكل معانيه.
ومن أجمل ما قرأت في هذا الصدد ما قاله الملياردير الأمريكي جورج سوروس متحدثًا عن ازدواجية الإدارة الأمريكية: (الرئيس بوش عندما يتحدث عن ضرورة بقاء الحرية ، فإنَّه يقصد بذلك ضرورة بقاء الولايات المتحدة!!)
ويأخذنا الدهشة حينما نقرأ ما نقل عن بوش وكأنه الرجل المكافح لإبقاء روح السلام بين شعوب العالم قائلًا: (من أجل مستقبل الحضارة يجب ألَّا نسمح لأسوأ قادة العالم بتطوير ونشر أسلحة الدمار الشامل لابتزاز بلدان العالم) "24"