فهرس الكتاب

الصفحة 2020 من 2255

وفي آية أخرى يكرر القرآن المعنى نفسه مقدرا معطيات جديدة: سورة التوبة الآية 69 كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .

وهذه الآية تعالج بإيجاز المعالم الكبرى لمرحلة (الفسوق) وما يعتورها من فتن وأخلاق ، ثم تنتهي إلى المصير الحتمي الذي يئول إليه أمر هذه المرحلة ، وهو الإحباط الكامل ، والخسران الدائم .

ويقدم لنا ( القصص القرآني ) - الذي لم يفقهه المسلمون الفقه الحضاري الكامل - عددا من التجارب البشرية التي دخلت مسيرتها إلى مرحلة ( الذنوب ) فكانت عاقبتها وخيمة .

فقوم نوح: سورة نوح الآية 25 مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا وحتى ابنه أصابه الغرق لأنه: سورة هود الآية 46 عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ .

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 182)

وعاد قوم هود أصابهم الريح العقيم حتى صاروا موتى كأنهم أعجاز نخل خاوية لأنهم: سورة هود الآية 59 جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ .

وثمود قوم صالح أرسل الله عليهم الصيحة بسبب عصيانهم أمر نبيهم وعقرهم الناقة خلافا لأمره: سورة هود الآية 65 فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، سورة هود الآية 67 وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ .

وجريمة قوم لوط التي عرفوا بها ، معروفة ، وهي من الخبائث المنكرة التي لا تليق بالجنس البشري ، بل إن الحيوانات تعف - بفطرتها - عنها ، وقد أثبت الطب الحديث الآثار المدمرة لهذه الجريمة وعلى رآس آثارها الصحية مرض ( الإيدز ) أي فقدان المناعة الجسدية ، أما أمراضها الحضارية - اجتماعيا وأخلاقيا - فهي لا تقل خطورة عن ( الإيدز ) إذ هي تفقد الحضارة مناعتها - أيضا - في تحمل أعباء صناعة الحضارة ، وفي خلق ( الرجولة ) و ( الجد ) اللازمين للبناء ، يقول القرآن عن قوم لوط: سورة هود الآية 78 وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ سورة هود الآية 82 فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ سورة هود الآية 83 مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ .

وأما مدين قوم نبي الله شعيب فقد ابتلوا بذنب آخر ، لقد كان دأبهم بخس الناس أشياءهم ونقص المكيال والميزان ، وهو ظلم مبين ، وقد حاول شعيب إصلاحهم لكنهم رفضوا فحقت عليهم عقوبة الله:

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 183)

سورة هود الآية 94 وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ سورة هود الآية 95 كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ .

وكانت عاقبة فرعون وأتباعه الغرق لكفرهم وانغماسهم في المعاصي ، ويعقب القرآن على هذه الأمم وما أصابها بعد أن تسردها علينا سورة هود في إيجاز وتعاقب تاريخي بليغين يعقب القرآن ( بالعبرة ) العامة التي انتهت بهذه الأمم وتجاربها إلى نهاية واحدة ، هي السقوط في هاوية الهلاك الشامل والدمار الكامل ، يقول القرآن: سورة هود الآية 100 ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ سورة هود الآية 101 وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ سورة هود الآية 102 وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ .

إن السلوك الأخلاقي المنحرف هو طريق الانهيار الحضاري ، وليس الضعف المادي أو (التقني ) ، فالأخلاق القائمة على أساس عقدي وفكري سليم - وليس الأخلاق النفعية (البرجماتذم ) - هي الطريق الصحيح للحضارة ، ولقد أشار العلامة ابن خلدون إلى هذا الأمر ، وذكر أن رقي الأمم لا يتحقق بتوافر القوة المادية أو رقي العقل ( العلمي أو العملي عن المرتبط بفكرة أخلاقية ) بل بتوافر الأخلاق الحسنة المقدمة .

ويوضح الفيلسوف ( غوستاف لوبون ) قيمة المعيار الأخلاقي فيقول: إن الانقلاب يحدث في حياة الأمم بالأخلاق وحدها ، وعلى الأخلاق يؤسس مستقبل الأمة وحياتها الحاضرة ، وخط العقل والقلب في بقاء الأمة أو سقوطها قليل جدا ، وعندما تذوى أخلاق الأمة تموت مع وجود العقل والقلب اللذين ربما يكونان متقدمين في نواح عملية كثيرة . . . فعلى

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 184)

الأخلاق وحدها يقوم نظام الجماعة الإنسانية ، وهي - أي الأخلاق - أساس الدين .

وقد ساق الدكتور ( لوبون ) عددا من الأمثلة لبيان تأثير الأخلاق في قيامها أو سقوطها ، من بينها حال الأمة الرومانية التي سقطت وهي أقوى من أسلافها في الناحية العقلية إلا أنها أضعف في النواحي الأخلاقية .

وأيضا فقد استطاع الإنجليز بجيش قدره ستون ألفا استعباد ثلاثمائة مليون هندي لاستقامة أخلاقهم [ فيما بينهم فقط !! ] مع أن كثيرا من سكان الهند كانوا يشبهون الهنود في النواحي العقلية ، بل كان البعض يرجمهم في المباحث الفلسفية ، [ بل والدينية ] .

وقد نسي ( لوبون ) أن يقدم النموذج الإسلامي الذي قضى على الروم وفارس ، ولم يكن له من سلاح في النصر إلا إيمانه ورسالته الأخلاقية ، أما حالته العقلية ( أي التقدم المادي والفني ) فلم يكن يصل إليهم بالتأكيد . . .

ويذكر لنا أحد علماء الهند محمد تقي الأميني ( كتاب رقي الأمم وسقوطها ) الأفاضل الفرق بين الأخلاق التي يقصدها ( غوستاف لوبون ) وبين الأخلاق الإسلامية . . . فالأخلاق القرآنية التي يريد الإسلام إحداثها في الأمة لا ينحصر أثرها في نطاق تلك الأمة ، بينما تعامل الأمم الأخرى بوحشية ، بل على الإنسانية العامة والرحمة الشاملة .

وفي هذه المرحلة . . . . مرحلة (الذنوب والفسوق ) كثيرا ما تكون هناك

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 185)

فسحة من الزمان كي تعطي الأمة أو الجماعة فرصة الرجوع إلى الحق ، وتعالج أسباب انهيارها . . . . فإذا ظهر أنها وصلت إلى مرحلة الانغلاق الكامل ، والطمس على القوى الواعية فيها ، واختلاط المعايير في أيديها . . . فقد تعطي فرصة أخرى استدراجية لتقع أكثر في الأوحال ، وتستحق الأخذ الأليم الشديد .

ويعبر القرآن عن هذه الحالة . . . يقول الله تعالى: سورة الأنعام الآية 44 فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً .

سورة آل عمران الآية 178 وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت