ومن أخطاء لويس المنهجية مقارنته بين الله والقيصر وهي مقارنة فاسدة، فقد تصح مثل هذه المقارنات في عقلية مشبعة بالنزعة المادية ، وكما يقول سليمان ناينق وسميرعبده أنه:"ما كان لباحث يهودي مثل لويس يفترض فيه أنه مؤمن بالله أن يجعل قيصر في درجة مع الله عز وجل. وما تعايش السلطتين عند النصارى إلاّ لأن رجال الدين النصارى اضطروا للخنوع وإلاّ فإنهم عندما قويت شوكتهم استبدوا بقيصر وحكموا عليه بالخنوع كما فعل جريجوري السابع بالملك هنري الرابع. وكانوا يجمعون الضرائب ويسيِّرون الجيوش وغير ذلك من السلطات الدنيوية" (16) .
وبالنسبة لمكانة العلماء فقد نظر لويس إلى المسألة من زاوية واحدة وبوجهة نظر معينة وأخذ يحشد لها الأدلة من هنا وهناك؛ فهذا الدين قام على العلماء، ولم يكن ثمة فرق بين العلماء والحكام ، فالخلفاء الراشدون كانوا أعلم الناس بالإسلام، وجاء بعدهم خلفاء بني أمية وكان كثير منهم على درجة عالية من الفقه والدين مثل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وعبد الملك ابن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وظل الخلفاء في الغالب على درجة طيبة من العلم بالإسلام، ولذلك كان هؤلاء يعرفون للعلماء قيمتهم ومكانتهم السامية حين كانوا ينصحون الحكام . وبلغ من مكانة العلماء ما ورد عن أبي جعفر المنصور حينما لقي سفيان الثوري فقال له"يا سفيان لم لا تأتنا فنستشيرك فما أمرتنا بشيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء تركناه"، وهنا سأله الثوري كم بلغت نفقتك في الحج - مستعظمًا تلك النفقة_ ثم ذكّره بأن نفقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة لم تزد على ثمانية عشر دينارًا.
ولمّا ولي المسلمين حكام قلت درجة معرفتهم بهذا الدين كان لا بد من وجود العلماء إلى جوارهم لتقديم النصح والتوجيه والمشورة. ولم يؤلف العلماء في التاريخ الإسلامي طبقة ترتزق بالعلم إنما عملوا في شتى مجالات الحياة حتى يخلصوا للعلم ولطلبه، وكانوا علماء وجنودًا مجاهدين وقادة. وكان منهم من وقف في وجه الحكام الظلمة حتى ابتلي عدد منهم بالسجن والتعذيب. ونحج عدد منهم في إيقاف الحكام عند حدهم (17) .
وقول لويس إن الله هو المشرع وبالتالي فهو الرئيس الأعلى للدولة ومصدر السيادة، وكذلك مصدر التشريع فالدولة دولة الله، والجيش جيش الله وبالطبع فالأعداء هم أعداء الله، فإن لويس هنا لم يأت بجديد بل كرر افتراضات مستشرقين سبقوه ومن هؤلاء سانتيلانا الذي قال في بحث له في الفكر السياسي:"إن الإسلام هو حكومة الله المباشرة يحكمها الله الذي يرعى شعبه دائمًا، فالدولة في الإسلام يمثلها الله، حتى الموظفون العموميون هم موظفون عند الله" (18) ، فالخطأ المنهجي الأول هنا أن لويس نقل عن غيره دون ذكر المصدر، أما الخطأ الثاني فإنه لم يقدم الدليل على افتراضاته. والواقع كان عكس ذلك تمامًا فلم يدَّع حاكم مسلم أنه خليفة الله أو يحكم باسم الله، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في أول خطبة له بعد توليه السلطة:"لقد وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.." (19) "فالخليفة منفذ للشريعة، خاضع لأحكامها، وهو معين من قبل الأمة تنتخبه ولها الحق أن تعزله." (20) بينما يقصد من الثيوقراطية أنها"حكومة الإله أو الآلهة الذين يكونون ممثلين برجال (كهنوت) أو زعماء روحيين مقدسين. ومن أمثلتها حكومة البابوات في العصور الوسطى فيكون لهؤلاء الرؤساء سلطات روحية ولهم حق الغفران والحرمان، وتجب طاعتهم المطلقة وأقوالهم قانون لأنهم يمثلون الإرادة الإلهية" (21) .
ويرى الباحثان سليمان ناينج وسمير عبد ربه بأن ما كتبه لويس حول هذه المسألة يعد تمثيلًا سيئًا لطبيعة الإسلام فلا يمكن مقارنة الله بالقيصر أو بأي شكل أو هيئة بشرية أخرى وأن الله لا يعين وكيلًا عنه في الأرض فكل إنسان هو خليفة الله في الأرض والمجتمع الإسلامي يختار قادته وفقًا لتعاليم الشريعة (22) ، والسيادة في الإسلام تنبع من مصدرين هما الشريعة والأمة (23) ، فالله عز وجل أرسل رسله بالشريعة فإذا ما صح اتباعها فلا شك أنهم أقرب إلى هذه الحقيقة التي يوردها لويس بأسلوبه الساخر، فالأنظمة الأخرى والقائمة على شرائع من صنع البشر لن تنال شرف هذا اللقب الذي حازته الأمة الإسلامية زمنًا طويلًا وآن لها أن تعود إليه قريبًا بإذن الله.
المحور الثاني: العلاقات بين الفرد والدولة في الفكر السياسي الإسلامي:
يتهم لويس العقلية الإسلامية بأنها عقلية ذرية أي لا تستطيع أن تنظر إلى الأمور نظرة شاملة وأنها عقلية تجريدية، ولكن لويس في دراسته للفكر السياسي الإسلامي وقع فيما اتهم به المسلمون ظلمًا ، وأكثر ما تتجلى العقلية الذرية هذه في نظرته إلى العلاقة بين الفرد والدولة التي تناولها في أكثر من بحث. ففي هذه البحوث أخذ بعض المصطلحات من الفكر السياسي الغربي وحاول أن يبحث عن مصطلحات مماثلة لها في الفكر الإسلامي، أو قام بابتداع بعض المصطلحات وراح يحشد لها الأدلة من أي مصدر كان سواء من الحديث الضعيف أو من مصدر مجهول أو من كتب الأدب وغير ذلك .
لقد وجد لويس أن موقف أهل السنة والجماعة بعدم الخروج على الحاكم إذا انحرف عن الطريق الصحيح ما لم يرو كفرًا بواحًا وسيلة ليوجه سهام نقده بأن الإسلام يطلب من أتباعه أن يكونوا خانعين أذلاء. ويستشهد لويس بحديث (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ولكن هذا الأمر يصطدم في نظره بأمرين أولهما"أن المشرعين نادرًا ما ناقشوا كيف يتم فحص التزام الحكومة بالشريعة ، ومتى تكون مخطئة وبالتالي لم يضعوا أجوبة لذلك، والثاني أنهم لم يضعوا أجهزة أو إجراءات لقياس مدى التزام الحكومة بالشريعة" (24) .
ويقول لويس في موضع آخر:"كان واجب الطاعة في الأيام العظيمة للتاريخ الإسلامي القديم قاصرًا على الخلفاء الشرعيين الذين هم وكلاء الله في الأرض ورؤساء المجتمع الديني وفي حالة تمسكهم بالشرع فقط، ولكن مع تراجع الخلافة ونمو الدكتاتورية جعل الفقهاء والمشرعون المسلمون تعاليمهم موافقة للحالة المتغيرة، وجعلوا واجب الطاعة يمتد لأية سلطة فعلية مهما كانت عاصية أو متوحشة. وقد سيطر على الفكر السياسي الإسلامي في الألف سنة الأخيرة مبدأ"الطغيان أفضل من الفوضى ومن اشتدت وطأته وجبت طاعته" (25) ."
ولتأكيد نظرته هذه ينقل لويس نصًا عن ابن جماعة حول البيعة القهرية جاء فيه"في زمن الاضطرابات يصبح من الضروري الاعتراف بالحاكم لمنع مزيد من الاضطرابات، فإذا خلا الوقت من إمام فتصدى لها من هو من أهلها ولا يقدم في ذلك كونه جاهلًا أو فاسقًا في الأصح [ أو حتى كونه عبدًا أو امرأة لا اعتبار له] وأضاف لويس بأن ما هو أسوأ من حكم العبد أو المرأة كما قال ابن جماعة هو حكم الكافر . وقد حدثت هذه الحالة حينما استولى النورمنديون على جزيرة صقلية مما دعا فقيه من مدينة مازارا لوضع قاعدة تقضي بقبول حكم النصراني وطاعته ما دام يبدي تسامحًا تجاه المسلمين. (26) "
ويصر لويس على البحث عن نصوص حول ضرورة الإذعان للسلطة مهما كان الأمر ويستشهد لذلك بنصوص أوردها ابن بطة ومنها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( وإن ظلمك فاصبر وإن حرمك فاصبر) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (اصبر وإن كان عبدًا حبشيًا) ويعلق لويس قائلًا:"من المؤكد أن هذين القولين الذين ينسب أحدهما إلى الخليفة عمر وينسب الثاني إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم] هما قولان منحولان والغرض منهما هو تبرير الآراء التي أخذت تشيع في تلك الفترة." (27)