فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 2255

تناول لويس مسألة المشروعية في الفكر السياسي الإسلامي من خلال حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقيامه برئاسة الأمة وحدود السلطات التي كانت له في هذا العمل. وفيما يأتي أبرز العبارات التي وردت في وصفه للرسول صلى الله عليه وسلم وسلطاته. فقد قارن لويس بين الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه"لم يمت على الصليب، وكان إلى جانب النبوة جنديًا ورجل دولة بل رئيس دولة ومؤسس إمبراطورية" (4) ، وقد وصف لويس الرسول صلى الله عليه وسلم في موضع آخر بأنه"شيخ الأمة لأولئك الذين آمنوا به بحق، ليست سلطته مشروطة أو مقبولة بدون اعتراضات من قبل القبيلة التي يمكن أن تسحبها في أي وقت، ولكنه حق ديني مطلق. إن مصدر السلطة انتقل من الرأي العام إلى الله الذي أناطها برسوله المختار" (5) .

وقد بحث لويس مسألة هل الحكومة الإسلامية حكومة دينية انطلاقًا من القول المنسوب لعيسى عليه السلام (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ، فهذا يؤكد في نظره على وجود سلطتين إحداهما دينية والأخرى دنيوية هما الكنيسة والدولة بينما امتزجت هاتان السلطتان في الإسلام يدل على ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد مارس القيادة السياسية والزعامة الدينية (6) .

ويواصل لويس محاولته تفسير معنى الحكومة الإسلامية حيث يتحدث عن تقليدين سياسيين في الإسلام يطلق على أحدهما التقليد"الساكن"والآخر"النشط"، وأن كلًا من التقليدين مستمدان من الكتاب والسنة. فالتقليد الساكن يتمثل في كون الرسول صلى الله عليه وسلم حاكمًا ورجلًا سياسيًا، ولكنه قبل أن يكون كذلك كان"متمردًا"و"معارضًا"للنظام الحاكم في مكة، وقاد معارضته ضد الطبقة الحاكمة الوثنية في مكة، وفي وقت من الأوقات خرج إلى المنفى وكوّن ما يمكن أن يطلق عليه في المصطلح المعاصر"حكومة المنفى"، وكان هذا العمل من قيام النبي e بالتمرد مثالًا احتذته كل الحركات الثورية في التاريخ الإسلامي ، وكان من ذلك على سبيل المثال قيام الدولة العباسية، وقيام الدولة الفاطمية ثم ثورة الخميني في العصر الحاضر (7) .

ويرى لويس أن حجة من ينفي عن الحكومة الإسلامية أن تكون حكومة دينية وذلك لعدم وجود كنيسة أو بابا أو مجالس كنسية في الإسلام، أما الذين يرون أن حكومة الإسلام دينية فيبررون ذلك بوجود نوع من عمل القسس بالمعنى الاجتماعي حيث يوجد"طبقة من العلماء المحترفين الذين اكتسبوا مكانتهم من العلم وليس من التكريس الكنسي، والذين عملوا كرجال دين من عدة نواح. ويمثل هؤلاء الله عز وجل وشريعته من النواحي العملية وبالتالي يمارسون السلطة بالمعنى الحقيقي وإن لم تكن السلطة السياسية الكاملة" (8) . ويضيف لويس قائلًا:"الإسلام من ناحية المبدأ ،وإن لم يكن في التطبيق، ثيوقراطي بمعنى آخر وأكثر عمقًا، والثيوقراطية تعنى حرفيًا حكم الله، وبهذا المعنى كانت حكومة الإسلام دينية من الناحية النظرية، ففي روما"كان قيصر هو الله"، وفي النصرانية"تعايش القيصر مع الله"، وفي الإسلام"الله هو القيصر حيث إنه وحده الرئيس الأعلى للدولة ومصدر السيادة، وهكذا صاحب التشريع، فالدولة هي دولة الله، والقانون هو قانون الله، والجيش جيش الله، وبالطبع فالأعداء هم أعداء الله" (9) ."

المناقشة

إن مكانة الرسول e عند المسلمين لا تقارن بعيسى عليه السلام فإن الأنبياء جميعًا إنما أرسلهم الله عز وجل لتطبيق شرع الله في الأرض ) وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله (( 10) ، ولكن تختلف ظروف رسالتهم فعيسى عليه السلام عمل تحت حكم روماني قاهر فلم يستطع أن يقف في وجه تلك الدولة، وإنما كان همه أن يعيد اليهود إلى شريعتهم مع تعديلات في هذا التشريع وفقًا لما أمره الله سبحانه وتعالى. أما رسولنا e فقد تمكن من إنشاء دولة ووضع لها الأسس والقواعد لأن رسالته هي الرسالة الخاتمة.

أما زعم لويس بتأسيس الرسول e إمبراطورية فتلك مقارنة فاسدة فالإمبراطور هو الذي يحكم دولة استعمارية توسعية لصالح شعب أو عرق كما هو الحال في الإمبراطوريات السابقة أو اللاحقة.

وثمة خطأ منهجي آخر وهو سوء الفهم أو الجهل وهو وصف الرسول e بأنه"شيخ الأمة"، فلو كانت المسألة كذلك لما واجه تلك العقبات والعراقيل. وقد عرض كفار قريش عليه أن يكون ملكًا عليهم وأن يتخلى عن الرسالة فأبى ذلك أشد الإباء (11) . وإن السبب في محاولة قريش أن تعرض على الرسول ما عرضت أنها فهمت أن دعوة التوحيد تقضي"نزع السلطان الذي كان يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده كله إلى الله السلطان على الضمائر والسلطان على الشعائر، والسلطان على الحياة ..السلطان في المال ، والسلطان في القضاء والسلطان في الأرواح والأبدان" (12) .

أما بخصوص رأي لويس بانتقال السلطة من الرأي العام إلى الله ثم إلى الرسول e فأمر يخالف حقيقة الواقع فلويس مؤرخ متمرس في التاريخ الإسلامي، ولا شك أنه عرف عن بيعة العقبة الأولى والثانية وبيعة الرضوان. وأن البيعة تراض بين طرفين . وقد أورد القرآن الكريم بيعة النساء في قوله تعالى: ) يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ( الآية(13) ، لاشك أن سلطة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت حقًا دينيًا فهو المتلقي للوحي عن ربه، ولا بد للأمة أن تطيع رسولها ومع ذلك فقد كانت تلك السلطة والطاعة مع دروس في توزيع السلطة، وفي الشورى وفي تشجيع المواهب الفردية. لقد ربّى الرسول e أعظم نخبة تولت قيادة البشرية بعد أن استطاعت إسقاط إمبراطوريتي الفرس والروم. إن مشيخة القبيلة أو الأمة لا يمكن أن تكون نتائجها مثل النتائج التي تحققت على يدي الرسول e وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

ولنلتفت الآن إلى مسألة كون الحكومة الإسلامية دينية أو لا؛ فإن لويس وقع في أخطاء منهجية عديدة، منها أولًا إسقاط النظرة الغربية عند تناول الفكر السياسي الإسلامي، ففكرة الحكومة الدينية فكرة غربية إذ لم يعرف الإسلام صراعًا بين سلطة دينية وأخرى دنيوية، فقد فهم المسلمون أن الإسلام ينظم شؤون حياتهم جميعها من أدق تفاصيلها حتى مسألة الحكم والخلافة: )قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (( 14) . ولم يكن هذا الصراع ليقع في النصرانية لولا أن المسيح عليه السلام واجه الدولة الرومانية القوية وطائفة من اليهود الحاقدين وإلاّ فإن المسيح جاء بشريعة تجمع بين الدنيا والدين، فهو لم يلغ الشرائع التي كانت موجودة بل جاء بشريعة ليتمها.ويكملها. وأما العبارة المنسوبة للمسيح عليه السلام (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) التي يحلو للويس أن يكررها للاستدلال على الفصل بين السلطتين، فهو خطأ منهجي آخر لأنه يمارس بتر النصوص من سياقها، فإن القصة التي وردت فيها هذه العبارة تؤكد على ضرورة طاعة السلطة مهما كانت ظالمة وقد جاء في رسالة بطرس ( لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان إلاّ من الله والسلاطين الكائنين:مرتبة من الله حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله) (15) ، واستمر الصراع بين السلطتين حتى قويت الكنيسة واكتسبت سلطة ضخمة وثراء، ووصل بها الأمر إلى أن أصبحت دولة داخل دولة، وأصبح للبابا رأس الكنيسة اليد الطولى في مواجهة الحكام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت