فهرس الكتاب

الصفحة 1804 من 2255

والعجيب أن هذه الدائرة المظلمة تحاول أن تحاصر المجتمع كله فلا يقتصر على المسرح أو التلفاز، وإنما يمتد إلى الصحافة والقصة والترجمة ويقدم في هذا المجال ما يسمى بالروايات العالمية الحافلة بالسموم والمرتبطة بالجنس والجريمة، في وقت واحد على نحو تحس 7 معه أن هناك مؤامرة مبيتة حيث توصف الأعضاء التناسلية في جرأة بالغة - ويستعلن في مكر ما يدور في غرف النوم مما يسمى بأدب الفراش، وليس هذا بغريب على الأمم الأوروبية التي قد تجده في حواشي بعض الكتب المقدسة ولكنه غريب علينا نحن المسلمين وتتقزز له نفوسنا، وقد سجل القرآن الكريم ظهور الفساد في الأرض (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) وكيف أن هناك قادة لهذا التيار يدعون الناس إليه وهم موجودون في كل عصر (ويريد الذين يبتغون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيمًا) .

إن هناك مفارقة واضحة بين طابع الأمم الغربية التي ورثت هذا التراث المشحون بالإثم والفاحشة والكشف وقصص الجنس والجرعة والاندفاع نحو اللذات والشهوات، ليس فقط في أساطير الإغريق المقترعة بل بما حفلت به الكتب المقدسة في سفري إستير وحزقيال بما حوت من الحديث عن اللواط والإباحة في الأرض والفن وزنا المحرم على حد تعبير المبشر الإسلامي ديدات حين كشف ذلك في محاورته المشهورة.

إننا نحن المسلمون لا نقر مفهوم الحضارة الغربية في الفن الإباحي الفاجر الماحق الذي تختلط فيه الرقص بالغناء بالخمر بالاختلاط الفاحش غير المهذب، وحين نقول هذا بكل صراحة نختلف مع الغرب ومفاهيمه وقيمه التي يريدون أن يفرضونها علينا، فالحضارة 8 لدينا لها مفهوم سمح كريم راق عفيف بعيد عن كل البعد عن الفسق والفاحشة، قائم على الخلق والكرامة وحماية العرض.

إن مفهوم الترويح يجب أن يرتفع فوق الفسق والفجور والدعارة التي تفرضها هذه المؤسسات القائمة على استباحة الحرمات والمقدسات ولابد أن يكون واضحًا أمامنا أن الإسلام قد وضع حدودًا وضوابط وحجب صنائع، وحرم على المسلم العمل بها أو قبولها في مجتمعه، ووصف الذين يعملون فيها بأنهم يقبلون الدنية عن دينهم وأن بعضهم يمكن أن يوصف بأنه (ديوث) ويجب أن نبدأ ذلك من المدرسة فلا يفرض الرقص والغناء والتعري على طالبات المدارس وهن غير راغبات ولا توجه المسابقات الغربية لما يسمى الوجود الجديد لخطب الفتيات البرئيات من الأسر الآمنة الغافلة لتسليمها للعتاة والظلمة الذي يفرضون على كل من يعمل أن تسلم جسدها ونفسها كاملة لسيدها وقديسها المدرب والمخرج.

ولقد كشفت الأحداث ثغرة في جدار هذا المعقل المشيد، ومهما تكن عند امرئ من خلفية وإن خالها تخفى على الناس تعلم، وهذا سر انزعاجهم وثرثرتهم حول ما يسمونه الفن والحضارة، إنهم يريدون حماية هذا المورد بكل ما يملكون لأنهم يعلمون أنه المنطلق الوحيد لتحقيق آمالهم في هدم مقومات هذه الأمة وتدمير قيمها، إن هذا المجال الذي يسمى بالفن هو المرفأ الأول والأخير لتحقيق 9 غايات الماسونية وبروتوكولات صهيون وعمليات التغريب والغزو الثقافي والسيطرة على العقل المسلم والوجدان المسلم واحتوائها وتفريقها من الدين والإيمان واليقين والخلق وملئهما بالشكوك والإباحة والرجس والفسق، هذا هو سر فزعهم الشديد وحملتهم الضارية، وتكاتفهم في الدفاع عما سموه زورًا وبطلانًا (قدسية الفن) وهي قدسية الإباحة والفساد في الحقيقة.

وهناك في مجال الصحافة من يحمي هذا التيار ويدافع عنه إيمانًا بأن هذه الأمة لن تغرب إلا من هذا الطريق، ولكن كل الدلائل تثبت أن هذا الصرح على وشك أن ينهار لأنه قام على باطل:

(أفمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم) .

تقبل الإسلام لكل معطيات الحياة

هي قاعدة أساسية: نعم ولكن شروط وضوابط

القاعدة الإسلامية الأصيلة هو تقبل الإسلام لكل معطيات الحياة التي تحقق وجود الإنسان لا يرفض منها شيئًا ولكنه يصوغها في مفهوم مستقل متحرر عن طابعها عمد الأمم الأخرى والفلسفات المختلفة، فليس في الإسلام بسماحته وسعة آفاقه رفض لمعطيات الحياة ولكنه من الناحية الأخرى يضع ضوابط وحدودًا لخطوات التعامل وأساليب التنازل.

ومن هنا فليس الإسلام في حاجة كبيرة إلى محاولات من كتبوا ليقنعوا الناس بأن الإسلام يقر مفهوم الترويح عن طريق الفنون ووسائل إدخال البهجة على النفوس فذلك أمر مسلم به تسليمًا كاملا وحقيقيًا في شريعة الإسلام ولكن وجه الاختلاف هو في الأسلوب الذي تعدم به هذه الفنون ووسائل أدائها، وكيف يمكن أن تكون مؤازرة للفطرة لا مضادة لها، وأن تكون متقبلة من وجهة نظر الدين أساسًا.

إن هذه الصورة التي تقدم بها الفنون في عصرنا وفي مجتمعنا لا يمكن أن تتطابق مع الصورة التي يضرب بها المثل عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 11 أو عهد الصحابة الأكرمين، وهي ليست تطورًا طبيعيًا لفنون الإسلام التي كانت في مراحل تطورها حريصة على ألا تخرج عن جوهر الإسلام ولا تصادم حدوده وضوابطه.

ويرجع ذلك إلى أن النفوذ الأجنبي فرض أسلوبه وطابعه ونظامه كله وخاصة في مجال الفنون وما يتعلق بالعواطف والوجدانات من منطلق غربي عصري واضح هو منطلق الكشف عن الشهوات والإباحة والحرية المطلقة في الانطلاق نحو الأهواء وإعطاء الغرائز حريتها في الحركة دون أي حدود، وقد نتج هذا من منطلق الفلسفة المادية والجنسية التي ألغت مفهوم الضوابط الأخلاقية والحدود المتصلة بالقيم وأطلقت الوحش في الإنسان، حين ادعت نسبية الأخلاق وربطتها باختلاف المجتمعات والعصور، في حين أن الأخلاق قيم ثوابت متصلة بالعقيدة والدين لا تخضع لقانون المتغيرات ومن منطلق مفهوم فرويد للجنس ودارون للحيوان ودوركايم للاجتماع، تشكل هذا الفن الغربي الذي غزا بلادنا غزوًا شديدًا وسيطر على فنوننا الأصيلة السمحة فكان منها ذلك (التخت) الضخم الذي تشكل من مائة عازف بعشرات الآلات الموسيقية وتلك الأغاني الراقصة المتمايلة، وما تثير من الشهوات، فكيف يمكن أن يكون هذا أمرًا يدافع عنه أو يصور أنه مما سمح به الإسلام من الفنون.

إننا نعرف من قراءاتنا في تاريخ الفنون في الغرب وتاريخ الموسيقى 12 بالذات أنه فن كنسي بدأ أول أمره مع نواقيس كنائس الغرب، وكان من معطيات إغراء الناس على العبادة وما كان من شتراوس أو فاجنر أو بتهوفن إلا كنائسي الموسيقى أساسًا، ثم تحولوا قليلا مع الاحتفاظ بذلك الطابع الصاخب الذي يهز النفوس.

ولقد نجد أن هناك خلافًا أساسيًا وجذريًا بين الذات الإسلامية والذات الغربية في مواجهة هذه الفنون، فالمسلمون يتناولون هذه الأمور في بساطة ويسر ويشكلونها في وجدان المؤمن وفي الحفاظ على العقيدة وفي حدود ما قرره الإسلام من حماية لوجود المسلم وعقله من الإغراق في كل ما يثير الشهوات، بينما تتشكل كل الفنون في الغرب حتى الفنون المتصلة بالعبادة في جو الصخب والأضواء الصارخة والشموع المرتفعة والبخور والعطور والمبالغة الشديدة التي يراد بها كسب عواطف الناس ومشاعرهم.

وهذا خلاف جذري في مفاهيم المسلم ووجدانه فهو يعاف الاستسلام لهذه الأجواء ويصد عنها بفطرته البسيطة السليمة الحريصة عن مخافة الله تبارك وتعالى فلا شك أن إقرار المسلم لهذه الظاهرة الخطيرة المصاحبة لحفلات الموسيقى من صخب ومن إسراف ومن آثاره كل هذا لا يتفق مع مفهوم الإسلام للفن أو للموسيقى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت