فهرس الكتاب

الصفحة 1803 من 2255

هذه الأهمية لا مجال لبسط الحديث حولها في مثل هذا المقال؛ بل يحتاج الأمر إلى فصول وأبواب حتى يتم تشكيل الوعي المدرك بالخطوة الأولى في مدارج العمل الراشد للتحضر .. ولعل الأهم في هذه المرحلة أن نثير أهل العزم والحزم من علماء ودعاة الأمة الإسلامية بأن يبعثوا من جديد هذا الوعي في عقول الجميع, ويقدموا لأفراد الأمة العدة الكافية والعتاد اللازم لخوض المعركة الحضارية التي زاد سعارها بعد اندفاع سيل العولمة في كل أودية الفكر والثقافة والاقتصاد في مجتمعاتنا؛ حتى الحملات العسكرية الغربية التي تُشنّ على بعض البلاد الإسلامية وغيرها تُسوّغ بأنها دفاع عن القيم والمبادئ الحضارية، ولا يقصدون هنا سوى حضارتهم دون غيرها. فأُقحمنا -شئنا ذلك أم أبينا- أمام صدام عملي بين الحضارات العالمية، وإن كان المفهوم النظري لهذا الصدام أكثر تسامحًا وتعقّلًا - ومع هذا التحفظ على المصطلح - فإن الأدوات الفاعلة في هذه الحرب المستعرة هي للعلم والتقدم والتسابق التقني والتنافس الاقتصادي على الموارد والطاقة، وليست في حقيقتها سباقًا في التسلح أو من خلال عسكرة الحرب.

فالمعركة ضارية، وتحتاج منا إلى تأهل يدفعنا إلى معرفة موقعنا على خارطة الأمم، ومحاولة اليقظة العاجلة بالعودة إلى أسس المدافعة والبناء، ولن يتم ذلك إلا بالبناء العلمي، وإشاعة العدل والمساواة، واحترام الإنسان والإحسان إلى كل شيء.

وبالعودة الصادقة الواعية للدين نضمن الحصول على كل تلك الأدوات الفاعلة للنهوض الحضاري, كما استخدمها النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعثه الأول للأمة ..فالعلم فريضة في شريعتنا على كل مسلم ومسلمة، والعدل والمساواة قواعد كلية عليها قامت كل أحكام الدين و الدنيا, واحترام الإنسان جاء من خلال حفظ كلياته الخمس: دينه ونفسه ونسله وعقله وماله، وانتظمت كل الأحكام الشرعية في تلك المقاصد الكلية, أما الإحسان فقد كتبه الله -عزوجل- على كل شيء حتى في أعنف حالات التعامل مع الآخرين, كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته"حتى الجماد والبيئة لم يُغفل حقها من التشريع؛ كما في النهي عن البول في الماء الراكد أو تحت الأشجار أو طرقات الناس، وكذا نهيه عن سبّ الدهر، والريح، أو قطع الأشجار المثمرة، إلى غيرها من صور التحضر الواعي الذي افتقدناه في مجتمعاتنا التي أصبحت مضرب المثل في التخلف والفقر، وشيوع الأمراض، وانعدام الحياة الكريمة للفرد العادي, فهل ستشكّل يقظة الوعي لدينا الإفاقة اللازمة لغفوتنا الحضارية الراهنة..

لن نقبل بمفهوم الغرب للفن والحضارة

بسم الله الرحمن الرحيم

لن نقبل بمفهوم الغرب للفن والحضارة

[قال لينين: إن المسارح بديل الكنائس، وقد تحول هذا المعنى عند المستعمرين فحاولوا أن يجعلوا المسرح بديلا للمسجد] .

لقد أصبح من الضروري - اليوم - أن نواجه هذه القضية مواجهة صريحة صادقة، فنحن من خلال مفهوم الإسلام لا يمكن أن نقبل مفهوم الغرب للفن والحضارة والجنس والمرأة والكشف وعلاقات الأسر وتبادل الزوجات وصديق العائلة وما إلى ذلك من مفاهيم أقام الغرب عليها مفهومه للفن والحضارة.

فللمسلمين مفهوم واضح للعفة والعرض يستمدونه من مقررات العقيدة التي تجعل الأخلاق جزءًا منها وتقيمها على أساس الثوابت وتقرر بها مجتمعًا يقوم أساسًا على حماية وجوده الذاتي ويحفظ علاقاته العامة.

ونحن نعلم أن هناك محاولات دائبة ومؤامرت واسعة لفتح 4 الأبواب بالإغراء والخداع أمام أبنائنا وبناتنا للانخراط في سلك هذه المؤامرة الواسعة التي تتركز الآن حول الجماعة التي تحمل لواء المسرح والرقص والغناء، والتي تعمل على إغراء الأجيال الجديدة على اقتحام أبواب الفساد والإباحة عن طريق الإعلانات المغرية والرحلات التي تعبر البحر إلى الشاطئ الآخر بهدف أن تسقط هذه العناصر الغضة من الفتيات والفتية بالإغراء ووسائل الشهرة في أيدي رجال الفن والمسرح بالعرى والجرأة وبذاءة القول والاهتزاز حتى يكونوا نجومًا جددًا، وكم تكشفت من قصص هؤلاء من مفارقات وتجاوزات وتفريط في كثير من القيم في سبيل النجاح والقبول.

ونحن نعرف أن من وراء هذه المؤامرة كلها قوى عاتية تعمل على هدم مقومات الخلق والدين والعرض في الأمم وكسب أكبر قدر من الشباب المفرغ الطلعة الطامح إلى مظاهر الحرية وبريق المادة وإغراء الشهرة من مجموعة الشباب الذي فشل في مجال الدرس والعلم والكد الصحيح للحصول على الدرجة العلمية، فإذا بهؤلاء يسبقون الأصلاء وتلمع أسمائهم ويحصلون على الشهرة والغنى والظهور، فتنهدم بذلك المقاييس الصحيحة وترجح كفة أهل الهوى والأهواء حتى انقلبت الموازين فأصبح هذا المسرب أكثر عطاء ماديًا من ميادين العلم والجد.

ولقد كانت هناك كلمات تقال خداعًا وتضليلا وكذبًا وبهتانًا، 5 وما تزال تتردد حتى صدقها الناس، تلك هي كلمات الفن وقداسة الفن وكرامة الفن، وما كانت هذه الألاعيب في الحقيقة فنًا بمفهوم العلم الصحيح ولكن كل هذا الذي يجري لا يزيد عن أن (عملية إضحاك وخيانة تافهة، تستخدم فيها كل وسائل العبث والانحلال مع العبارات الرديئة والحركات المخزية، في سبيل إضحاك الناس على نحو ليست له ضوابط أو قيم أو أوضاع محددة، وهي بذلك تتعارض مع أصول(فن الترويح) الحقيقي الذي يقوم أساسًا على السماحة والبراءة والنقاء والذي يدخل السرور بحق على القلوب دون أن يفسد أي قيمة من قيم المجتمع، أو يهدم أي ركن من أركان الأخلاق.

والذي نعرفه أن هذه الوسائل من الإضحاك قد بلغت حدًا بالغ الإسفاف والسفه والإفساد من حيث عرض إيماءات لا يقبل الرجل الشريف أن يسمعها أو يراها أهله أو بناته ويخشى منها على الخلق الصحيح، وأن الكلمات التي تتردد والحوار الذي يقدم في هذه المسلسلات قد وصل إلى أدنى ما يمكن أن يتداوله الصعاليك والسفلة في بعض الحواري، فإذا أضفنا إلى هذا ما عرف وكشف من سير هؤلاء الذين يقدمون هذا العبث وما يجري في حياتهم الخاصة وهو أمر معروف ومكشوف وجدنا إننا نضع أبنائنا وبناتنا في جو رديء تمامًا ونجد أن وضع هؤلاء الراقصين والمغنين والممثلين - كما تجادل الصحافة - في مكان النماذج العليا والمثل الرفيعة جناية كبرى، وأخطر من ذلك أن تبدد كلماتهم وإجاباتهم بمثابة الحكمة البالغة والمثل الذي 6 يتردد مما يضعف أمام بعض الشباب المفرغ من مفاهيم القيم الإسلامية وقليلي التجربة والعابثين والفاشلين، فإذا عرفنا هذا كله عرفنا إلى أي حد بلغ مدى الخطر الذي يتهدد الأجيال الجديدة في هذه الأمة التي حذرها دينها من الوقوع في الشباك كالفراش المتهافت على النار.

وأقل ما توحي به الصورة أن هذا العبث في العلاقات بين الرجل والمرأة وهذا الأسلوب النازل في الحوار هو من الأمور المشروعة التي يمكن أن ترددها كل الألسنة، فضلا عن أن عملية الترويح والإضحاك الذي تقوم بها هذه القوى هي عملية إضحاك كاذبة وخادعة ومفتعلة، لأنه أشبه بمخدر يستغرق فيه المرء ساعة أو بعض ساعة ثم لا يلبث أن يعود إلى واقعه.

أما مفهوم الترويح الإسلامي وليس الترفيه - فإنه يستمد مقوماته من عملية قبول ورضى بالواقع واستشراف الفرح في المستقبل وأن الغمرات تأتي ثم ينجلين وأن الفرح بعد الشدة، وتلك مفاهيم تدخل السرور والتفاؤل الحقيقي على النفوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت