فمدينتنا إحدى مدن شرق الصين، ولم يكن يوجد بها قبل عشر سنوات إلا كنيسة واحدة، وكانت هذه الكنيسة جديدة، وقبل ثلاث سنوات حين مررت بهذه الكنيسة دخلتها وسألت: كم عدد النصارى؟ فقالوا: ليس عندنا إحصاء ولكن هم تقريبًا من ألفين إلى خمسة آلاف، وبعد سنة دخلت هذه الكنيسة مرَّة أخرى، وقلت كم عددكم؟ فقالوا: من (20) إلى (25) ألفًا، وفي السنة الماضية وهي السنة الخامسة، سألت رئيس الأديان في تلك المدينة والتي هي في شرق الصين: كم عدد النصارى؟ فقال: لا نعرف العدد ولكن كل النصارى يجتمعون يوم الأحد في عدَّة كنائس أو بيوت، ويمارسون فيها طقوسهم الدينية، ثمَّ قال رئيس الأديان: ونحن لا نسمح لهم بالاجتماع إلا إذا أعطيناهم رخصة، وقد أعطينا عام (2004م) وهي السنة الماضية (160) رخصة في هذه المدينة الصغيرة فقط! وأنا أقدِّر أنَّ كل كنيسة يوجد بها من (300) إلى (500) ولك أن تعلم أنَّ في هذه المدينة التي حدَّثتك عنها يوجد (23) مسجدًا فقط.
^: ولكن فضيلة الشيخ يوسف: ما جهود دعاة المسلمين إزاء جهود النصارى؟
> بالنسبة لي فلم أقم بالصين باستقرار تام؛ لأنني درست خارجها، وإن كانت هناك مشاركات دعوية وإنشاء جمعية إسلامية في شرق الصين، ولكن بالنسبة للدعاة بالصين فهم في الحقيقة فئة قليلة، وفي شمال غرب الصين يوجد أئمة مساجد، أما الدعاة المتفرغون فلا تكاد تجد أحدًا منهم إلاًَّ نادرًا.
نعم! توجد معاهد إسلامية في شمال غرب الصين، ولكن مع الأسف لا توجد خطة وخطوات دعوية مميَّزة، وكذلك فإنَّ في الشمال الغربي ثقافة المسلمين ولغتهم الصينية ضعيفة، ولا يمكن أن يؤثروا على الشرق؛ لأنَّهم يعدُّون متخلفين من ناحية تعليمية وثقافية، فلا توجد لغة أو علم قوي في تلك المنطقة حتى يؤثروا في المناطق الأخرى من الصين مع كثرتهم في تلك المنطقة أكثر من غيرهم، ولا ريب أنَّه إذا كان المرء ضعيفًا في اللغة ويريد أن يؤثر في منطقة شرق الصين فلا يستطيع التأثير، وأيضًا فإنَّ الطلاب في الشمال الغربي يدخلون ويدرسون في المساجد والمعاهد الإسلامية، ولكن كثيرًا منهم لم يدخل مدرسة ابتدائية وثانوية حكومية، لذلك عندهم لغة التواصل الفكري ضعيفة.
^: هل توجد بشارات وأمور مفرحة في الصين يُستطاع من خلالها إفادة أهل الصين بالدعوة والتعليم؟
> بعد أحداث سبتمبر صار كل شيء في العالم يتعلق بالإسلام، وصار الصينيون يريدون أن يقرؤوا في كتب الإسلام ويتعلموا بشكل أكبر وإيجابية أفضل، فصار الصينيون يعرفون الإسلام، وصدقني أن هناك بعض المناطق في الصين مثل مناطق الجنوب ما سمعوا باسم الإسلام أو المسلمين إطلاقًا، ولهذا حين ذهبنا مع تجار العرب إلى بعض مناطق الصين، وقلنا لهم نحن مسلمون تساءلوا مستنكرين: ما الإسلام؟ فهم لم يسمعوا بالإسلام ألبتة!!
^: هل يدرس الطلاب المسلمون في الجامعات الصينية، وما النشاطات الإسلامية الموجودة في هذه الجامعات؟
> نعم! يوجد كثير من الشباب المسلمين الذين يدرسون في الجامعات، وفي الحقيقة إذا كان الداعية رجلًا عمليًا، فإنه يجتمع بالشباب المسلمين في الجامعة بطريقة مناسبة مثل السياحة في بعض المناطق القريبة منها، أو المخيمات الصيفية ثم يعلمهم الدين، ولا شك أنه يوجد دعاة بين الشباب الجامعيين ولكنَّهم قلَّة، والحقيقة أن هذا مشروع مهم جدًا ويحتاج للمساعدة علميًا وماديًا برأس مال قوي، وأنا آسى على بعض الشباب الصينيين المسلمين الذين يدرسون خارج الصين في دول عربية، ويتعلمون الإسلام على حقيقته وحين يرجع بعضهم للصين يتكاسلون عن الدعوة إلى الله في المنطقة التي هم منها، وهذا كسل لا ينبغي، بل ينبغي أن يكونوا جادين في الدعوة إلى الله في بلادهم.
^: ذكرت أن كثيرًا من الطلاب المسلمين يدرسون في الجامعات الصينية، ولكن ألا ترى أنَّ هؤلاء الطلاب غُيِّبوا عن دينهم، وصارت ثقافاتهم صينية؟
> يوجد كثير من الطلاب يدرسون بالجامعات، ويتأثرون بالتأكيد بالثقافة والقيم الصينية، بل يكادون لا يعرفون شيئًا من الإسلام؛ لأن كل شيء بالثقافة الصينية، وهذا في شرق وشمال الصين، وأما في الشمال الغربي للصين، فهم يدرسون مواد الدين، ولكنهم قليلون، إضافة إلى الضعف الذي لديهم من ناحية لغوية.
ولكن في السنوات الأخيرة وخصوصًا بعد أحداث سبتمبر، شعر الشباب الذين يدرسون بالجامعة وخاصة من أبناء المسلمين بحبِّهم لدينهم، وبدؤوا يقرؤون كتب الإسلام الدينية، ويريدون أن يعرفوا ما هو ديننا؟ ومن الممكن أنَّ 20% من طلاب الجامعة منتسبون للإسلام بالهوية، لكنهم بدؤوا يصلون ويصومون ويطبقون الإسلام، فكان لهذه الأحداث آثارها الإيجابية الكبيرة ـ ولله الحمد ـ لأنهم قبل ذلك كانوا لا يهتمون بدين الإسلام، وحين طالعوا كتب الإسلام أعجبهم وصاروا أشد تمسكًا به، والمشكلة عندنا في الحقيقة قلة الكتب الدينية التي تشرح الإسلام بلغة قوية، ولها أسلوب جذاب ومؤثر.
^: هل توجد جهود دعوية مع الطالبات في الدعوة إلى الإسلام؟
> ذكرت لك أنَّ بعض الجمعيات الإسلامية مثلًا في شرق الصين يلقون على الطالبات شيئًا من دروس الدين، فتوجد جهود ولكنَّها يسيرة، وبعض الطالبات يتحجبن بعد أن يتأصل الإسلام في قلوبهن، وبعضهن قد لا يبقين محجبات، والحقيقة أننا نأتي للنساء المسلمات وندعوهن ولو كنَّ متبرجات، ولو شدَّدنا في الأمر فإنهن لن يأتين لحضور دروس الدين، ودورنا تعزيز الإيمان في قلوب النساء ليتحجبن بعد تأثُّرهن بقيم ومبادئ هذا الدين.
^: لا شك أنَّك في جولاتك بالصين وجدت انحرافات عند كثير من المنتسبين للإسلام؛ فهل حقًّا توجد عادات وتقاليد وانحرافات عند بعض المسلمين؟
> أكثر الانحرافات هو التأثر بـ (الكنفوشيوسية) ، والتأثر بالعادات الصينية، وكذلك التأثر بالانحرافات الصوفية لطول البقاء وقلة الدعوة لبعض المسلمين، كما يوجد في شمال غرب الصين، ويوجد في الشمال الغربي من الصين الطواف بالقبور والشرك بالله، والاستغاثة بغير الله؛ نسأل الله العافية. وعلى كلٍ فإنَّ الانحرافات تختلف باختلاف المناطق التي في الصين، ولكن من أبرز الانحرافات التي رأيتها منتشرة في الصين، تلك الانحرافات المتعلقة بالجنائز، وهي متأثرة بالثقافة الصينية؛ فإذا مات الميت يأتي أولاده ويلبسون اللباس الأبيض عند الجنازة، وحين يفارقون الجنازة يجلسون من سبع أيام إلى أربعين يومًا وهم لابسون لتلك الملابس، وكذلك ينتشر عندنا، حين يموت الميت أن يأتي بعض أقاربه أو أصحابه، ويُنَوِّر على القبر بالمصباح مدَّة سبع ليال، وهذه بدع متواترة نرجو أن تزول بالدعوة المستمرة إن شاء الله.
^: أنت شاركت في الدعوة إلى الإسلام في الصين، ولا بد أن تقع للداعية إشكاليات تواجهه على هذا الطريق؛ فهلاَّ أبرزت أهمَّها؟