وقال القرطبيُّ:"الرسول والنبيّ اسمان لمعنيين؛ فإنّ الرسول أخصّ من النبيّ، وقدَّم الرسول اهتمامًا بمعنى الرسالة، وإلاَّ فمعنى النبوة هو المتقدّم، ولذلك ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال: (وبرسولك الذي أرسلت) فقال له: (( قل: آمنت بنبيِّك الذي أرسلت ) )خرَّجه في الصحيح ( [15] ) . وأيضًا فإنّ في قوله: (برسولك الذي أرسلت) تكرير الرسالة، وهو معنى واحد، فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه، بخلاف قوله: (( ونبيِّك الذي أرسلت ) )فإنّهما لا تكرار فيهما، وعلى هذا فكلّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولاً؛ لأنّ الرسول والنبيَّ قد اشتركا في أمر عام هو النبأ، وافترقا في أمرٍ خاصٍ وهي الرسالة، فإذا قلت: محمدٌ رسولٌ من عند الله؛ تضمن ذلك أنّه نبيٌّ ورسول الله، وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم" ( [16] ) .
وقال النسفيُّ:"والفرق بينهما أنّ الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنَزَّل عليه، والنبي من لم ينْزل عليه كتابٌ، وإنّما أُمِر أن يدعو إلى شريعة مَن قبله. وقيل: الرسول واضع شرع، والنبيُّ حافظُ شرع غيره" ( [17] ) .
وقال الشوكانِي:"قيل: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانًا ومحاورته شفاهًا، والنبيّ الذي يكون إلهامًا أو منامًا. وقيل: الرسول من بعث بشرع وأُمِر بتبليغه، والنبيّ من أُمِر أن يدعو إلى شريعة مَن قبله ولم ينْزل عليه كتاب، ولا بدَّ لهما جميعًا من المعجزة الظاهرة" ( [18] ) .
فهذا هو المشهور؛ أنّ الرسول أخصّ من النبيّ، فالرسول هو من أوحي إليه بشرعٍ وأُمِر بتبليغه، والنبيُّ من أُوحي إليه ولم يؤمر بتبليغه، وعلى ذلك فكلّ رسول نبيِّ، وليس كل نبيِّ رسولاً ( [19] ) .
ولكن هذا التفريق مدفوعٌ بعدّة أمور:
1 -أنّ الله نصّ على أنّه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نبي} [الحج:52] ، فإذا كان الفارق بينهما هو الإبلاغ فالإرسال يقتضي من النبيِّ البلاغ.
2 -أن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله لا يُنْزِل وحيَه ليكتَم ويدفَن في صدر واحد من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته.