وأما هارون عليه السلام
فإن الله تعالى وصفه بفصاحة اللسان فقال: هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً 28: 34 [1] ، وقد علم أن لغة العرب أفصح اللغات ، ولنبينا محمد صلّى الله عليه وسلم من الفصاحة ما يعرف من مارس كلامه ، أنه أوتي فيها [أعلى] مقام ، لم يصل إليه أحد من قبله وقد شارك هارون مع ذلك فيما ناله من بني إسرائيل ، فإنه لما خلف موسى عليه السلام فيهم عند ما توجه لميقات ربه ، افترقوا وتحزّبوا ونقضوا العهد ، واستضعفوه وهمّوا بقتله ، وعبدوا العجل فلم يقبل توبتهم حتى قتلوا بعضهم بعضا ، كما قصّ الله تعالى ذلك فِي كتابه العزيز [2] ، فلقى نبينا صلّى الله عليه وسلم نظير ذلك من بني قريظة والنضير وقينقاع ، فإنّهم نقضوا العهد وحزّبوا الأحزاب ، وجمعوا وحشدوا ، وأظهروا له العداوة بعد ما هموا بإلقاء الرحى عليه ، لما أتاهم يستعين بهم فِي دية بعض أصحابه ، فقام صلّى الله عليه وسلم بحربهم ، وقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم ، وقسم أموالهم ، فكان نظير استضعافهم لهارون استضعافهم للنّبيّ صلّى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ، حتى لقد قال قائلهم: محمد يخندق على نفسه وأصحابه ، ولا يستطيع أحدهم الخروج إلى الغائط ، وهو يعدهم بملك كسرى وقيصر ، فكان المسلمون كما قال تعالى: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ 33: 10 [3] ، حتى أيده الله بجنوده ، وجعل العاقبة له على اليهود والأحزاب ، كما هو مذكور فِي موضعه من هذا الكتاب [4] .
[1] القصص: 34.
[2] فِي سورتي الأعراف وطه.
[3] الأحزاب: 10.
[4] راجع أبواب المغازي.