لَمْ يَتَّخِذُوا مَعْبُودَاتِ الْمُشْرِكِينَ أَنْفُسَهَا شُفَعَاءَ وَوُسَطَاءَ ، بَلِ اتَّخَذُوا أَنْبِيَاءَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ ، وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا تَعْظِيمٌ لَهُمْ لَا يُنَافِي التَّوْحِيدَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ وَجُعِلَ أَصْلَ دِينِهِمْ ، وَأَسَاسَ ارْتِقَاءِ أَرْوَاحِهِمْ وَعُقُولِهِمْ ، وَقَدِ اغْتَرُّوا بِظَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ ، وَجَعَلُوا تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِغَيْرِ اسْمِهِ إِخْرَاجًا لَهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ ، فَهُمْ قَدْ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُسَمُّوا عَمَلَهُمْ عِبَادَةً ، بَلْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظًا آخَرَ كَالِاسْتِشْفَاعِ وَالتَّوَسُّلِ ، وَاتَّخَذُوا غَيْرَ اللهِ إِلَهًا وَرَبًّا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِ بِذَلِكَ ، بَلْ سَمَّوْهُ شَفِيعًا وَوَسِيلَةً ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ اتِّخَاذَهُ إِلَهًا أَوْ رَبًّا هُوَ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ ، أَوِ اعْتِقَادًا أَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتُ اسْتِقْلَالًا ، وَلَوْ رَجَعُوا إِلَى عَقَائِدِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سَنَنَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَوَجَدُوهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) (10: 18) مَعَ قَوْلِهِ: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (43: 87) فَإِذَا كَانَتْ مُسَاكَنَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاشَرَتُهُمْ - مَعَ الْكَرَاهَةِ وَالنُّفُورِ - قَدْ أَفْسَدَتْ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ السَّمَاوِيَّةِ الْأُولَى ، فَمَا بَالُكَ بِتَأْثِيرِ اتِّخَاذِهِمْ أَزْوَاجًا ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَى كَمَالِ السُّكُونِ إِلَيْهِمْ وَالْمَوَدَّةِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ ؟ أَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَعْوَةً إِلَى النَّارِ ، وَسَبَبًا