وَقَدْ أَزَالَتِ الْكَلِمَةُ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْجَوَابِ الْوَجِيزِ شُبْهَةَ الْمُتَأَثِّمِينَ مِنْ كَفَالَتِهِمْ ، وَكَشَفَتِ الْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ شُبْهَةَ الْقُوَّامِ الْمُتَحَرِّجِينَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ ، وَمِنْ هَذَا الْجَوَابِ عَرَفْنَا حَقِيقَةَ السُّؤَالِ ، وَهَذَا مِنْ ضُرُوبِ الْإِيجَازِ الَّتِي لَمْ تُعْرَفُ إِلَّا مِنَ الْقُرْآنِ .
أَمَّا مَعْنَى كَوْنِ الْإِصْلَاحِ لَهُمْ خَيْرًا فَهُوَ أَنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ لِإِصْلَاحِ نُفُوسِهِمْ بِالتَّهْذِيبِ وَالتَّرْبِيَةِ ، وَإِصْلَاحِ أَمْوَالِهِمْ بِالتَّثْمِيرِ وَالتَّنْمِيَةِ ، هُوَ خَيْرٌ مِنْ إِهْمَالِ شَأْنِهِمْ وَتَرْكِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ تَفْسُدُ أَخْلَاقُهُمْ وَتَضِيعُ حُقُوقُهُمْ ، خَيْرٌ لَهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِهِمْ ، وَخَيْرٌ لِلْقُوَّامِ وَالْكَافِلِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ دَرْءِ مَفْسَدَةِ إِهْمَالِهِمْ ، وَمِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِي صَلَاحِ حَالِهِمْ ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْقُدْوَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَحُسْنِ الْمَثُوبَةِ فِي الْأُخْرَى . قَالَ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ: قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْكَلَامُ يَجْمَعُ النَّظَرَ فِي صَلَاحِ مَصَالِحِ الْيَتِيمِ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ وَغَيْرِهَا لِكَيْ يَنْشَأَ عَلَى عِلْمٍ وَأَدَبٍ وَفَضْلٍ; لِأَنَّ هَذَا الصُّنْعَ أَعْظَمُ تَأْثِيرٍ فِيهِ مِنْ إِصْلَاحِ حَالِهِ بِالتِّجَارَةِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا إِصْلَاحُ مَالِهِ كَيْ لَا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَةِ التِّجَارَةِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) (4: 2) .