ويصبح معنى الآية الكرمية على هذا: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ببيانه الساحر، وادعائه الإصلاح بين المسلمين وحرصه على مصلحة الأُمة - توصلًا إلى الحكم، فإذا ولي هذا الحكم، وتمكن سلطانه بسببه - فعل بالناس ما يفعله ولاة السوء، وظهر من أمره ما كان يخفيه، فسعى في الأرض - بحيلته وتدبيره - ليفسد فيها بما يشاءُ من أَلوان الفساد: فيهلك الحرث، ويسفك الدماء، ويهدد الحريات، وينشر الشرور والمنازعات بين الأُمة، ويضرب بعضها ببعض: باصطناع الأعوان، وتقريب الأنصار، ليبسط بهم سلطانه على الناس، ويحتفظ بزعامته عليهم. على حد قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} .
{وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} :
أي: لا يرضى الله سبحانه وتعالى بالفساد ولا يقره، بل يعاقب عليه في الدنيا والآخرة، فاحذروه وخافوه.
206 - {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ... } الآية.
المعنى: وإذا نصحه الناصحون: باتقاء عقاب الله تعالى في أفعاله وأقواله، وفي عدم استغلال ذكائه وعلمه وبلاغته في التضليل والإفساد - أخذته الأنفة والكبرياءُ بما يوجب الإثم والتوغل فيه، فلجَّ في الضلال والعناد، لأَنه يرى نفسه فوق نصيحة الناصحين، ونقد الناقدين.
فهو في زمرة من قال الله - تعالى - فيهم"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ."
والباءُ في قوله: {بِالْإِثْمِ} على هذا، للسببية، يعني أن إثمه الماضي، كان سببا لأَخذ العزة له، واستيلاء الكبرياء عليه، مع وضوح الحق، وتنبيه الناصحين له، ولهذا قال سبحانه:
{فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} :
أي مهما أحرز من جاه وأموال، فكل هذا إلى زوال. ويكفيه ما سيحل به من عذاب، في نار جهنم يوم القيامة، فإن جهنم ستكون له فراشًا ممهدًا.
وإذا كان المهاد هو الفراش الممهد، ليستريح عليه الراقد، فاستعماله في جهنم للتهكم بمن يحُلُّ بها.