ولقد حكى لنا التاريخ أن المؤمنين السابقين قد صبروا أجمل الصبر وأسماه في سبيل إعلاء كلمة الله.
روى البخاري عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.
وبذلك نرى أن السورة الكريمة من قوله - تعالى - وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى هنا، قد بينت لنا أقسام الناس في هذه الحياة، ودعت المؤمنين إلى أن يتمسكوا بجميع تعاليم الإسلام، وأن يزهدوا في زينة الحياة التي شغلت المشركين عن كل شيء سواها، وأن يشكروا الله على هدايته إياهم إلى الحق الذي اختلف غيرهم فيه، وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل الآلام لكي يحقق الله لهم الآمال.
ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين بعد ذلك إلى أن مما يعينهم على دفع الأذى وعلى دحر أعدائهم أن يبذلوا أموالهم في طاعة الله، وأن يعدوا أنفسهم للقتال في سبيله فقال - تعالى -:
[سورة البقرة (2) : الآيات 215 إلى 218]
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
قال الآلوسي: عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أين يضعون أموالهم فأنزل الله - تعالى - قوله: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ. الآية. وعن ابن عباس قال: كان عمرو بن الجموح شيخا كبيرا وعنده مال كثير فقال يا رسول الله: بماذا نتصدق، وعلى من ننفق؟ فنزلت الآية.
والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد أي شيء ينفقونه من أصناف الأموال؟ قل لهم: