وقوله تعالى: (قِتَال فِيهِ) بدل اشتمال من الشهر الحرام، قد وقعت كلمة قتال في موضع الجر على البدلية، والمعنى: أن السؤال عن القتال في الشهر الحرام، لا عن ذات الشهر، وإنما ابتدأ بذكر الشهر لأنه موضع القداسة في نفوسهم، ولأنه أساس التحريم، فالقتال في ذاته لم يعد موضع تفكير، بعد أن اطمأنت قلوبهم إلى أمر ربهم، وأنه سبيل الدفاع عن نفوسهم، إنما موضع السؤال هو القتال في تلك الأزمنة، فابتدئ بذكرها، لأنها الباعث على السؤال: وهو الذي سارع إلى الخاطر، فكان الابتداء به مجاوبة للمسارعة الفكرية بالسبق البياني.
ومن هم الذين سألوا؟ أهم المشركون، فيكون السؤال تشنيعا، أم هم المؤمنون فيكون السؤال تحرجا وتأثما من الوقوع، أو ندما أن فرط ذلك منهم؛ إن ذلك أمر لا يعرف إلا من صحيح الآثار.
لقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والبيهقي في سننه بسند صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بعثا على رأسه عبد الله بن جحش ليتبع عيرا لقريش قبل غزوة بدر، وكتب له كتابا، وأمره ألا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا، وقال له:"لا تكرهن أحدا على السير معك"، فلما قرأ الكتاب قال: سمعا وطاعة، وخير أصحابه، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع منهم اثنان وتبع العير فغنم غنائم وأسر أسيرين، وكان ذلك في أول ليلة من رجب حسبوها آخر ليلة من جمادى، وقيل في
آخر ليلة من رجب، ولم يستأنوا إلى أول شعبان حتى لَا تفلت طلبتهم، ولما جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد علم أنهم قاتلوا في الشهر الحرام، توقف وقال:"ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام".
ويروى أن المشركين قالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام، فسفك فيه الدماء، وقالوا لمن عندهم من المسلمين المستضعفين: يا معشر الصبأة استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه.
وهذا الخبر يفيد فائدتين: أولاهما - أن تلك السرية قاتلت في الشهر الحرام جاهلة بدخوله، أو مضطرة، وكلتا الحالين تحمل العذر أو المسوغ.
الثانية - إن قريشا عيرت المسلمين بذلك وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توقف عن التصرف حتى ينزل قرآن فنزل، وعلى ذلك يصح أن يكون السؤال من المشركين، وهو أوضح.