شرع الله القتال دفعا للأذى، ومنعا للفتنة، ونصرا للحق وخفضا للباطل، ولقد بين سبحانه أن المؤمنين الذين أرهف وجدانهم ومازج حب البشرية قلوبهم، كرهوه، فقال سبحانه: (كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهوَ كُرْهٌ لكُمْ) كرهه المؤمنون المخلصون، وتمنوا لو أن قومهم آمنوا طائعين أو كفوا عن أذاهم حتى لَا تزهق أرواح، ولا تخضب الأرض بالدماء، ولكن الله سبحانه بين لهم أنه لَا سبيل لرفع الحق إلا بعزة أهله، ولا عز له بين المشركين إلا بنور الحق، وبريق السيف، وإن ذلك في مصلحتهم، كما فيه إعلان الحق لهم، ومنع الأذى عن المؤمنين، وزوال الفتنة في الدين، حتى يصير الدين كله لله، يطلبه من يريده حرا، ويريده من يريده مخلصا، لَا لوم ولا تثريب، ولا فتنة ولا تعذيب.
والمؤمنون الذين كرهوا القتال في ذاته كرهوه أيضا لملابساته، ففد يكون في زمان له حرمة وتقديس، أو في مكان مقدس قد حرم فيه القتال جاهلية وإسلاما،
فتتضاعف الكراهة؛ إذ تجتمع الكراهة الذاتية، والكراهة الإضافية لزمان القتال أو مكانه؛ فبين الله سبحانه ما يطمئن قلوب المؤمنين، وإن من يرد الاعتداء بر لا فاجر، ولو اضطر إلى القتال في الشهر الحرام أو البيت الحرام ولذا قال سبحانه:
(يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) .
الشهر الحرام - قد بيناه في تفسير قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص. . .) . وإنه مفرد أريد به الجمع وإن الأشهر الحرم أربعة، هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وبينا البلاغة التي أدركناها في التعبير بالمفرد في معنى الجمع.