وقد أبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله:"أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلى مَكُناتِها".
وكانوا يتطيرون بصوت الغراب ويتأولونه البين، وبصوت البوم ويتأولونه الخراب، وكانوا يستدلون بمجادبات الطيور بعضها بعضًا على أمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك.
وقد جاء الشرع بالنهي عن التطير، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ"- ثلاثًا -. رواه أبو داود، وغيره، وصححه الترمذي، وابن حبان من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم:"ثَلاثٌ لازِماتٌ لأُمَّتِي؛ سُوءُ الظَّنِّ، وَالْحَسَدُ، وَالطِّيَرَةُ". رواه أبو الشيخ في كتاب"التوبيخ"، والطبراني في"الكبير"
عن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه؛ فهو إخبار عما جُبِل عليه طباع البشر الذين منهم أمته، لا أنه أقرهم على ذلك؛ بدليل تتمة هذا الحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"فَإِذا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ، وإِذا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ، وإِذا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ".
فأشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أن ما يجري على المرء من هذه الثلاث بمقتضى طباع البشرية، فلا يضره إلا إذا ذهب مع الظن حتى أنزله منزلة اليقين، واسترسل في الحسد حتى صار إلى البغي فيه، واعتقد أن له حقًا واستحقاقًا لتلك النعمة المحسود عليها، وأطاع الطيرة فوقف عندها، وامتنع من إمضاء ما تطير منه، فهذا هو الذي زجر عنه الشرع، ومنع منه الدين لأنه هو الذي يدخل تحت الاختيار.
وفي"صحيح مسلم"عن معاوية بن الحكم الأسلمي - صلى الله عليه وسلم - قال: قلت: يا رسول الله! منا رجال يتطيرون؟
قال:"ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلا يَضُرُّهُمْ".
أي: ما لم يقفوا مع الطيرة، أما لو وقف أحد مع الطيرة حتى ترك ما هو فيه من الأمر أو رجع من سفره مثلًا فإن الطيرة تضره، وهي الشرك بعينه.
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ".
قيل: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟