فَظَاهِرُ الْآيَةِ يُوجِبُ خِلَافَ مَا قَالُوهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وَالْمُرَادُ الْمُتْعَةُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْهَدْيَ لَقَالَ:"ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ".
فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ"اللَّامَ"قَدْ تُقَامُ مُقَامُ"عَلَى"كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} وَمَعْنَاهُ: وَعَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ.
قِيلَ لَهُ: لَا يَجُوزُ إزَالَةُ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَصَرْفُهُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلَالَةٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ مَعْنًى هِيَ مَوْضُوعَةٌ لَهُ حَقِيقَةً فَ"عَلَى"حَقِيقَتُهَا خِلَافُ حَقِيقَةِ"اللَّامِ"فَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُهَا عَلَيْهَا إلَّا بِدَلَالَةٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّمَتُّعَ لِأَهْلِ سَائِرِ الْآفَاقِ إنَّمَا هُوَ تَخْفِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَإِزَالَةُ الْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ فِي إنْشَاءِ سَفَرٍ لَكُلِّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَبَاحَ لَهُمْ الِاقْتِصَارَ عَلَى سَفَرٍ وَاحِدٍ فِي جَمْعِهِمَا جَمِيعًا؛ إذْ لَوْ مُنِعُوا عَنْ ذَلِكَ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى مَشَقَّةٍ وَضَرَرٍ، وَأَهْلُ مَكَّةَ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ وَلَا ضَرَرَ فِي فِعْلِ الْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.