وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّاوِيَ لِلْإِفْرَادِ أَكْثَرُ مَا أَخْبَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ} وَذَلِكَ لَا يَنْفِي كَوْنُهُ قَارِنًا؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ لِلْقَارِنِ أَنْ يَذْكُرَ الْحَجَّ وَحْدَهُ تَارَةً وَتَارَةً الْعُمْرَةَ وَحْدَهَا وَأُخْرَى يَذْكُرُهُمَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا لَوْ تَسَاوَيَا فِي النَّقْلِ وَالِاحْتِمَالِ لَكَانَ خَبَرَ الزَّائِدِ أَوْلَى.
وَإِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا، وَقَدْ قَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ} فَأَوْلَى الْأُمُورِ وَأَفْضَلُهَا الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا فَعَلَهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ لَهُمْ: {خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتَّبِعُوهُ} وَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَخْتَارُ مِنْ الْأَعْمَالِ إلَّا أَفْضَلَهَا.
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَمِنْ الْإِفْرَادِ.
وَيَدُلَّ عَلَيْهِ أَنَّ فِيهِ
زِيَادَةَ نُسُكٍ وَهُوَ الدَّمُ لِأَنَّ دَمَ الْقِرَانِ عِنْدَنَا دَمُ نُسُكٍ وَقُرْبَةٍ يُؤْكَلُ مِنْهُ كَالْأُضْحِيَّةِ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الدِّمَاءِ تُرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَفْعَالُ إلَّا دَمَ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ.