قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ثُمَّ قَالَ فِي شَأْنِ الْمُحْصَرِ الْخَائِفِ مَا قَالَ ، وَجَبَ أَنْ لَا يَزُولَ فَرْضُ تَمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَّا عَنْ الْخَائِفِ.
فَيُقَالُ لَهُ: الَّذِي قَالَ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} هُوَ الَّذِي قَالَ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} وَهُوَ عُمُومٌ فِي الْخَائِفِ وَغَيْرِهِ ، فَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ ، فَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِالْخَائِفِ دُونَ غَيْرِهِ ؟ وَقَدْ نَقَضْتَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقِكَ لِلْمَرْأَةِ الْإِحْلَالِ إذَا مَنَعَهَا زَوْجُهَا وَلَيْسَتْ بِخَائِفَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْمَحْبُوسُ لَا يَخَافُ الْقَتْلَ ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: جَعَلَ الْإِحْلَالَ رُخْصَةً لِلْخَائِفِ مِنْ الْعَدُوِّ وَلَا يُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ ، كَمَا جَعَلَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ خَاصًّا لَا يُشَبَّهُ بِهِ الْقُفَّازَيْنِ.
فَيُقَالُ لَهُ: إنْ كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ رُخْصَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَاسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الرُّخَصِ ، فَإِذَا {رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ} وَجَبَ أَنْ لَا يُشَبَّهَ بِهِ غَيْرُهُ فِي جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْخِرَقِ وَالْخَشَبِ ، وَلَمَّا كَانَ حَلْقُ الرَّأْسِ مِنْ أَذَى رُخْصَةً وَجَبَ أَنْ لَا يُشَبَّهَ بِهِ الْأَذَى فِي الْبَدَنِ فِي إبَاحَةِ الْحَلْقِ وَالْفِدْيَةِ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُشَبَّهَ بِالْخَائِفِ الْمَحْبُوسُ وَالْمَرْأَةُ إذَا مَنَعَهَا زَوْجُهَا ؛ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا يَنْقُضُ اعْتِلَالَهُ