وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى أَوَّلِ الْخِطَابِ ، كَمَا عَادَ إلَيْهِ حُكْمُ الْإِحْصَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فَبَيَّنَ حُكْمَهُمْ إذَا أُحْصِرُوا ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} يَعْنِي: أَيْ الْمُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؛ فَبَيَّنَ حُكْمَهُمْ إذَا مَرِضُوا قَبْلَ الْإِحْصَارِ كَمَا بَيَّنَ حُكْمَهُمْ عِنْدَ الْإِحْصَارِ ؛ فَلَيْسَ إذًا فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} دَلَالَةٌ
عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ لَا يَكُونُ إحْصَارًا.
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا قَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ} دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْعَدُوُّ الْمَخُوفُ ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ يَقْتَضِي الْخَوْفَ.
قِيلَ لَهُ: مَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَمْنَ مِنْ ضَرَرِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ ؟ وَلِمَ جَعَلْتَهُ مَخْصُوصًا بِالْعَدُوِّ دُونَ الْمَرَضِ وَالْأَمْنُ وَالْخَوْفُ مَوْجُودَانِ فِيهِمَا ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} يَعْنِي: إذَا أَمِنْتَ مِنْ كَسْرِكَ وَوَجَعِكَ فَعَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ الْبَيْتَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِعَدُوٍّ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ ، وَالْمَرَضُ لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ فِي التَّقَدُّمِ وَالرُّجُوعِ.