وأصده، والْمُرَاد حصر العدو عند مالك والشَّافعيّ) أي مثلًا يعني مراد المصنف ليس أن الحصر
والإحصار كلاهما مختصان بما يكون من العدو، فإنه يخالف ما ثبت في اللغة، وأَيْضًا لو
اختصا بذلك لغة لما احتاج إلَى دليل في إرادة الحصر بالعدو، بل مراده الإشَارَة إلَى مذهبه
كما قال، والْمُرَاد حصر العدو الخ. فلو قال هنا يقال حصره أمرٌ ما إذا حبسه لكان أحسن؛؛ لأن
قوله، والْمُرَاد حصر العدو يقتضي إطلاق الْكَلَام أولًا؛ لأنه حِينَئِذٍ يكون الْمَعْنَى، والْمُرَاد من
حصر العدو حصر العدو، ولا يخفى سماجته، وقوله أولًا منعتم بلا تَقْييد بالعدو يقتضي عدم
تقييد الحصر بالعدو.
قوله: (لقوله(فَإذَا أَمنْتُمْ) فإن الأمن زوال الخوف من عدو ونحوه، فلا يتناول
المرض وعدم محرم وضياع نفقة.
قوله: (ولنزوله في الحديبية ولقول ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما لا حصر إلا حصر العدو)
ولنزوله في الحديبية أي ولوروده في حصر العدو؛ لأن الحصر الواقع في الحديبية حصر العدو لا
الأعم منه، وخصوص السبب وإن لم يناف عموم الحكم لعموم اللَّفْظ لكن وقوعه في مقابلة
قوله: (فَإذَا أَمنْتُمْ) يؤيد خصوص الحكم ويقويه أَيْضًا قول ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما -
لا حصر إلا حصر العدو فإن كلامه صريح في حصر الحصر بحصر العدو.
قوله: (وكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما عند أبي حنيفة رحمه الله) أي والْمُرَاد
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: حصره العدو الخ. جعل الْمُصَنّف حصر وأحصر كليهما بمعنى واحد ومثل عليه بصده
وأصده في اسْتعْمَال فعل وأفعل بمعنى واحد. نقل الإمام عن أحمد بن يَحْيَى أنه قَالَ أصل الحصر
والإحصار الحبس، وفي الكَشَّاف يقال أحصر فلان إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز، وحصر
إذا حبسه عدو عن المضي أو سجن، ثم قال هذا هُوَ الأكثر في كلامهم أي تَخْصيص الإحصار بمنع
المرض، والحصر بمنع العدو هُوَ الأكثر في كلامهم لكنهما يستعملان بمعنى واحد وهو المنع في
كل شيء سواء كان مرضًا أو عدوًا. قال الفراء: لو قيل للذي منعه المرض أو الخوف قد حصر لأنه
بمنزلة الذي حبس لجاز، ولو قيل للذي حبس أحصر لجاز كأنه جعل حابسه بمنزلة المرض.
قوله: والْمُرَاد حصر العدو عند مالك والشَّافعي. أي الْمُرَاد بالإحصار في هذه الآية. حصر
العدو وإن كان أصله مطلق المنع فهذا تَخْصيص بعد تعميم بقرينة قوله عز وجل: (فَإذَا أَمنْتُمْ)
فإن لفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف [من] العدو لا في المرض فإنه يقال في
المرض شفي وعوفي، فالْمَعْنَى فَإذَا أَمنْتُمْ من خوف العدو، وهذا يدل عَلَى أن معنى مقاله وهو قوله
تَعَالَى: (فَإنْ أُحْصرْتُمْ) فإن منعتم من السفر بسبب العدو.
قوله: وكل منع عطف عَلَى حصر العدو أي الْمُرَاد من الإحصار في الآية. كل منع سواه كان
منع عدو أو منع مرض أو غيرهما عند أبي حنيفة، فإن المرض والعدو سيان في تحقق حكم
الإحصار عنده وعند مالك والشَّافعيّ المعتبر في ذلك منع العدو خاصة، والآية دليل لأبي حنيفة
سواء كانا بمعنى واحد أو لا. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن أحصر إذا كان لغير منع العدو كان
منع غير العدو ثابتًا بعبارته ومنع العدو بدلالته وليس للشافعي فيها وجه استدلال؛ لأن الْمَذْكُور
الإحصار وهو ليس لمنع العدو والحصر الذي هُوَ للعدو وهو غير مذكور فيها.