قَالَ شَيْخُنَا: ذَهَبَ كَثِيرُونَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ إِذْ فَهِمُوا أَنَّ الْإِطَاقَةَ بِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ ، وَقَدَّرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ كَالْجَلَالِ حَرْفَ نَفْيٍ فَقَالَ: وَعَلَى الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ، لِيُوَافِقَ مَذْهَبَهُ ، وَالْآيَةُ مُوَافَقَةٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى جَعْلِ الْإِثْبَاتِ نَفْيًا كَمَا قُلْنَا آنِفًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْهَمْزَةَ فِي الْإِطَاقَةِ لِلسَّلْبِ فَمَعْنَاهَا الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ . وَهُوَ قَوْلٌ مَنْقُولٌ مَعْقُولٌ ، وَيَظْهَرُ بِإِرَادَةِ سَلْبِ الطَّاقَةِ ; أَيِ: الْقُوَّةِ بِهِ لَا قَبْلَهُ . وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالنَّسْخِ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُ الْقَوْلِ عَلَى الْإِحْكَامِ .
أَقُولُ: وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَقْسَامٍ فِي الصِّيَامِ:
الْأَوَّلُ: الْمُقِيمُ الصَّحِيحُ الْقَادِرُ عَلَى الصِّيَامِ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ وَلَا مَشَقَّةٍ تُرْهِقُهُ ، وَالصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ حَتْمًا ، وَتَرْكُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ . وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُتَعَمِّدَهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَضَاءُ مِثْلِهِ وَلَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ .
الثَّانِي: الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ ، وَيُبَاحُ لَهُمَا الْإِفْطَارُ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرَ التَّعَرُّضُ لِلْمَشَقَّةِ ، فَإِذَا تَعَرَّضَا لِلضَّرَرِ بِالْفِعْلِ بِأَنْ عَلِمَا أَوْ ظَنَّا ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّ الصَّوْمَ يَضُرُّهُمَا