وَأَعْظَمُ فَوَائِدِهِ كُلِّهَا الْفَائِدَةُ الرُّوحِيَّةُ التَّعَبُّدِيَّةُ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ ، وَهِيَ أَنْ يَصُومَ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ الْمُلَاحَظُ فِي النِّيَّةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ، وَمَنْ صَامَ لِأَجْلِ الصِّحَّةِ فَقَطْ فَهُوَ غَيْرُ عَابِدٍ لِلَّهِ فِي صِيَامِهِ ، فَإِذَا نَوَى الصِّحَّةَ مَعَ التَّعَبُّدِ كَانَ مُثَابًا كَمَنْ يَنْوِي التِّجَارَةَ مَعَ الْحَجِّ ، فَإِنَّهُ لَوْلَا الْعِبَادَةُ لَاكْتَفَى بِالْجُوعِ وَالْحَمِيَّةِ ، وَآيَةُ الصِّيَامِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَالْمُلَاحَظَةِ التَّحَلِّي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ أَحَاسِنِ الصِّفَاتِ وَالْخِلَالِ ، وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: لَا أَشُكُّ فِي أَنَّ مَنْ يَصُومُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ رَاضِيًا مَرْضِيًّا ، مُطَمْئِنًا بِحَيْثُ لَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ اضْطِرَابًا وَلَا انْزِعَاجًا . نَعَمْ ; رُبَّمَا يُوجَدُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفُتُورِ
الْجُسْمَانِيِّ ، وَأَمَّا الرُّوحَانِيُّ فَلَا ، وَأَعْرِفُ رَجُلًا لَا يَغْضَبُ فِي رَمَضَانَ مِمَّا يَغْضَبُ لَهُ فِي غَيْرِهِ ، وَلَا يَمَلَّ مِنْ حَدِيثِ النَّاسِ مَا كَانَ يَمَلُّهُ فِي أَيَّامِ الْفِطْرِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَائِمٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى: (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْنِي نَفْسَهُ) وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُ مَا وَرَدَ فِي عَلَامَاتِ الصَّائِمِ مِنْ تَرْكِ الْمَعَاصِي وَالْمَآتِمِ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ إِلَّا النِّسَائِيِّ مَرْفُوعًا (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) .