ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم من اليهود، لم يكتفوا بتلك المناجاة القبيحة التي كانوا يديرونها فيما بينهم، لإغاظة المؤمنين، بل أضافوا إلى ذلك النطق أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالكلام السيئ وبالعبارات التي تدل على سوء طويتهم، فقال - تعالى -:
وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ.
أي: وإذا جاء هؤلاء المنافقون واليهود إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم - ألقوا إليك بتحية، هذه التحية لم يأذن بها الله - تعالى - ولم يخاطبك بها.
وقد كان المنافقون عند ما يدخلون على الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقولون له كلمة: «السلام عليكم» - وهي تحية الإسلام، إنما يقولون له: أنعم صباحا أو مساء .. متجنبين النطق بتحية الإسلام، ومستعملين تحية الجاهلية.
روى الشيخان عن عائشة: أن ناسا من اليهود، دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام - أي: الموت - عليك يا أبا القاسم. فقال صلى الله عليه وسلم «وعليكم» .
قالت عائشة: وقلت: عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم.
فقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش.
فقلت: ألا تسمعهم يقولون: السام؟ فقال صلى الله عليه وسلم «أو سمعت قولي: عليكم» فأنزل الله - تعالى - وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ.
ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ.
والمراد بأنفسهم هنا: أي فيما بينهم وفي مجامعهم، أو فيما بينهم وبين أنفسهم.
أي: إذا جاءك هؤلاء المنافقون ومن على شاكلتهم في الضلال، نطقوا أمامك بتحية لم يحيك بها الله - تعالى - ولا يكتفون بذلك، بل يقولون فيما بينهم على سبيل التباهي والجحود للحق لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ أي: هلا يعذبنا الله بسبب ما قلناه لو كان محمد صلى الله عليه وسلم رسولا من عنده - تعالى - أي: أنهم ينكرون نبوته صلى الله عليه وسلم لأنها - في زعمهم لو كانت حقا، لعذبهم الله - تعالى - بسبب إساءتهم إليه، وإعراضهم عن نهيه لهم.