ووصف الله تعالى بأنه {الآخر} بعد وصفه بأنه {الأول} مع كون الوصفين متضادّين يقتضي انفكاك جهتي الأولية والآخرية ، فلما تقرر أن كونه الأول متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه بـ {الآخر} متعلقاً بانتقاض ذلك الوجود ، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض ، وهو معنى قوله تعالى: {نرث الأرض ومن عليها} [مريم: 40] وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] .
فتقدير المعنى: والآخِر في ذلك أي في استمرار الوجود الذي تقرر بوصفه بأنه الأول.
وليس في هذا إشعار بأنه زائل ينتابه العدم ، إذ لا يشعر وصف الآخِر بالزوال لا مطابقة ولا التزاماً ، وهذا هو صفة البقاء في اصطلاح المتكلمين.
فآل معنى {الآخر} إلى معنى"الباقي"، وإنما أوثر وصف {الآخر} بالذكر لأنه مقتضى البلاغة ليتم الطباق بين الوصفين المتضادين ، وقد عُلم عند المتكلمين أن البقاء غير مختص بالله تعالى وأنه لا ينافي الحُدوث على خلاف في تعيين الحوادث الباقية ، بخلاف وصف القدم فإنه مختص بالله تعالى ومتناففٍ مع الحدوث.
واعلم أن في قوله: {هو الأول والأخر} دلالة قصر من طريق تعريف جزأي الجملة.
فأما قصر الأولية على الله تعالى في صفة الوجود فظاهر ، وأما قصر الآخرية عليه في ذلك وهو معنى البقاء ، فإن أريد به البقاء في العالم الدنيوي عرض إشكال المتعارض بما ورد من بقاء الأرواح ، وحديث"أن عَجْب الذَّنب لا يفنى وأن الإِنسان منه يعادُ".
ورفع هذا الإشكال أن يجعل القصر ادعائياً لعدم الاعتداد ببقاء غيره تعالى لأنه بقاء غير واجب بل هو بجعل الله تعالى.
والجمع بين وصفي {الأول والأخر} فيه محسّن الطباق.