ومن هنا قال ابن سينا: الممكن في حدّ ذاته ليس وهو عن علته أيس فلا ينافي هذا كون بعض الموجودات الممكنة لا تفنى كالجنة والنار ومن فيهما كما هو مقرر مبين بالآيات والأحاديث لأن فناءها في حدّ ذاتها أمر لا ينفك عنها ، وقد يقال: فناء كل ممكن بالفعل ليس بمشاهد ، والذي يدل عليه الدليل إنما هو إمكانه فالبعدية في مثله بحسب التصور والتقدير ، وقيل: هو الأول الذي تبتدئ منه الأسباب إذ هو سبحانه مسببها {والآخر} الذي تنتهي إليه المسببات فالأولية ذاتية والآخرية بمعنى أنه تعالى إليه المرجع والمصير بقطع النظر عن البقاء الثابت بالأدلة ، وقيل: الأول خارجاً لأنه تعالى أوجد الأشياء فهو سبحانه متقدم عليها في نفس الأمر الخارجي والآخر ذهناً وبحسب التعلق لأنه عز شأنه يستدل عليه بالموجودات الدالة على الصانع القديم كما قيل: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله تعالى بعده ، وقال حجة الإسلام الغزالي: إن الأول يكون أولاً بالإضافة إلى شيء ، والآخر يكون آخراً بالإضافة إلى شيء ، وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أولاً وآخراً جميعاً بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فالله تعالى بالإضافة إليها أول إذ كلها استفادات الوجود منه سبحانه وأما هو عز وجل فموجود بذاته وما استفاد الوجود من غيره سبحانه وتعالى عن ذلك ، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت منازل السالكين فهو تعالى آخر إذ هو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته تعالى فهي مرقاة إلى معرفته جل وعلا ، والمنزل الأقصى هو معرفة الله جل جلاله فهو سبحانه بالإضافة إلى السلوك آخر وبالإضافة إلى الوجود أول فمنه عز شأنه المبدأ أولاً وإليه سبحانه والمرجع والمصير آخراً انتهى.
والظاهر أن كونه تعالى أولاً وآخراً بالنسبة إلى الموجودات أولى ولعل ما ذكره أوفق بمشرب القوم.