واعلم: أنّ الله سبحانه ذكر في هذه الآية أمورًا ثلاثًا مرتبة، فكأنّه تعالى قال: لا تقولوا في حقّ المؤمنين ما لم تعلموه فيهم، بناء على الظن، ثم إذا سئلتم عن المظنونات .. فلا تقولوا: نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها، ثم إن علمتم منها شيئًا من غير تجسس .. فلا تقولوه، ولا تفشوه عنهم.
ففي الأول نهى عن التكلم بما لم يعلم، ثم نهى عن طلب علم عيب الناس، ثمّ نهى عن ذكر ما علم مثله، روي: أنّ رجلين من الصحابة بعثا سلمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يطلب منه لهما طعامًا، فقال له: انطلق إلى أسامة بن زيد، واطلب منه فضل طعام وإدام إن كان عنده، وكان أسامة خازن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رحله وطعامه، فأتاه، فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما، فأخبرهما، فقالا: كان عند أسامة شيء ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى بعض الصحابة، فلم يجد عندهم شيئًا، فلمّا رجع .. قالا: لو بعثنا سلمان إلى بئر سحيمة .. لغار ماؤها، وسحيمة بوزن جهينة بالحاء المهملة: بئر بالمدينة، غزيرة الماء، على ما في"القاموس". ثمّ انطلقا يتجسّسان، هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطعام؟ فلمّا راحا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا: ما تناولنا لحمًا في يومنا هذا، فقال - صلى الله عليه وسلم - اغتبتما سلمان وأسامة، فنزلت هذه الآية.
ويجب على المغتاب أن يبادر إلى التوبة حين صدورها منه، بأن يقلع عنها، ويندم على ما فرط منه، ويعزم عزمًا مؤكّدًا على أن لا يعود إلى مثل ما فرط منه، ولا تحرم الغيبة إذا كانت لغرض صحيح شرعًا لا يتوصّل إليه إلا بها، وينحصر ذلك في ستة أمور:
الأول: التظلم، فلمن ظلم أن يشكو لمن يظن أنه يقدر على إزالة ظلمه أو تخفيفه.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته.
الثالث: الاستفتاء، فيجوز للمستفتي أن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا، فهل يجوز له ذلك؟