وقد زادت الآية، فجعلت اللحم لحم أخ ميت تصويرًا له بصورة بشعة تستقذرها النفوس جميعًا، وقد ثبت في"الصحيح"من غير وجه: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين خطب في حجة الوداع:"إنّ دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} : معطوف على مقدر، كما مر؛ أي: فاكرهوا الغيبة، واتقوا الله فيما أمركم به، ونهاكم عنه، وراقبوه، واخشوه حقَّ خشيته.
ثم علَّل هذا بقوله: {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه {تَوَّابٌ} يتوب على من تاب إليه عمَّا فرط منه من الذنب. {رَحِيمٌ} به أن يعذّبه بعد توبته.
وعبارة"الروح"هنا: قوله {فَكَرِهْتُمُوهُ} {الفاء} : لترتيب ما بعدها على ما قبلها من التمثيل، كأنه قيل: وحيث كان الأمر كما ذكر فقد كرهتموه، فأضمر كلمة قد لتصحيح دخول الفاء في الجزاء، فالمقصود من تحقيق استكراههم، وتقذّرهم من المشبه به: الترغيب، والحث على استكراه ما شبَّه به، وهو الغيبة، كأنه قيل: إذا تحققتم كراهتكم له .. فليتحقق عندكم كراهة نظيره الذي هو الاغتياب، وتمثيل الغيبة بأكل لحم الميت من جهة أنّ الحيّ المغتاب لا يعلم بغيبة من اغتابه، كما أن الميت لا يعلم بأكل من أكل لحمه. {وَاتَّقُوا اللَّهَ} باجتناب ما نهيتم عنه، وهو معطوف على ما تقدم من الأوامر والنواهي. {إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} ؛ أي: مبالغ في قبول التوبة، وإفاضة الرحمة، حيث يجعل التائب كمن لم يذنب، ولا يخص ذلك بتائب دون تائب، بل يعم الجميع، وإن كثرت ذنوبهم، فصيغة المبالغة باعتبار المتعلقات. انتهى.
واعلم: أنّ الاغتياب كأكل لحم الآدميّ ميتًا، ولا يحل أكله إلا لمضطر بقدر الحاجة، فالمغتاب إن وجد لحاجته مدفعًا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب، ففي هذه الآية نهي عن اغتياب المؤمن دون الكافر، أما الفاسق، فيجوز أن يذكر بما فيه عند الحاجة، فمن نقص مسلمًا أو ثلم عرضه .. فهو كأكل لحمه حيًّا. ومن اغتابه .. فهو كآكل لحمه ميتًا؛ لأنَّ الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحيّ لا يعلم بغيبة من اغتابه.