ثم ضرب سبحانه مثلًا للغيبة للتنفير والتحذير منها، فقال: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ} أيها المؤمنون {أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ} حال كون الأخ {مَيْتًا} وقرأ نافع: بتشديد الياء، وهو حال من اللحم أو من الأخ، والاستفهام للإنكار، فهو بمعنى النفي؛ أي: لا يحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا {فـ} لو عرض عليكم لحمه {كَرِهْتُمُوهُ} ؛ أي: كرهتم أكله، فكما تكرهون أكل لحمه ميتًا .. فاكرهوا أكل لحمه حيًا، وهو اغتيابه، وقرئ: {كَرِهْتُمُوهُ} بغير فاء؛ أي: جبلتم على كراهته، فـ {الفاء} فيه: عاطفة على منفيّ مقدر معلوم من الاستفهام الإنكاري، كما قدّرنا، وقيل: لفظه خبر، ومعناه: الأمر، ولذلك عطف عليه {وَاتَّقُوا اللَّهَ} . و {الفاء} حينئذٍ: فصيحية؛ أي: فإذا كرهتم أكل لحمه ميتًا .. فاكرهوا الغيبة التي هي نظير ذلك {وَاتَّقُوا اللَّهَ} بترك ما أمرتم باجتنابه، وبالندم على ما صدر منكم من قبل.
وقرأ الجمهور: {فَكَرِهْتُمُوهُ} بفتح الكاف وتخفيف الراء، وقرأ أبو سعيد الخدري وأبو حيوة: {فَكرَّهْتموه} بضم الكاف وتشديد الراء المكسورة، ورواها أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ذكره أبو حيان في"البحر".
والمعنى: أي أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد مماته، فإذا كنتم لا تحبون ذلك، بل تكرهونه؛ لأنَّ النفس تعافه .. فاكرهوا أن تغتابوه في حياته.
والخلاصة: أنكم كما تكرهون ذلك طبعًا، فاكرهوا ذلك شرعًا، لما فيه من شديد العقوبة.
وقد شبهت الغيبة بأكل اللحم؛ لما فيها من تمزيق الأعراض، المشابه لأكل اللحم وتمزيقه، وقد جاء هذا على نهج العرب في كلامهم، قال المقنع الكندي:
فَإنْ أَكَلُوْا لَحْمِيْ وَفَرْتُ لُحُوْمَهُمْ ... وَإِنْ هَدَمُوْا مَجْدِيْ بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدَا