(عسى أن يكونوا خيراً منهم) علل النهي بأن يكون المسخور بهم عند الله خيراً من الساخرين بهم، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال، أو ذا عاهة في بدنه؛ أو غير لبق في محادثته، فلعله أخلص ضميراً وأتقى قلباً ممن هو على ضد صفته، فيظلم
نفسه بتحقير من وقره الله تعالى، قال ابن مسعود: إن البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً، ولما كان لفظ قوم مختصاً بالرجال لأنهم القوام على النساء أفرد النساء بالذكر فقال:
(ولا) يسخر (نساء من نساء عسى أن يكن) المسخور بهن (خيراً منهن) يعني من الساخرات منهن وقيل أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر، عن مقاتل قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزأوا من فقراء المسلمين كبلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة، وعن أنس نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر، وعن ابن عباس نزلت في صفية بنت حيي، قال لها بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم: يهودية بنت يهودي.
(ولا تلمزوا أنفسكم) أي: لا تطعنوا أهل دينكم. واللمز العيب والطعن وقد مضى تحقيقه في سورة براءة عند قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات قال ابن جرير: اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان، والمعنى لا يلمز بعضكم بعضاً، كما في قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله (فسلموا على أنفسكم) ، والمؤمنون كنفس واحدة، فإذا عاب المؤمنُ المؤمنَ فكأنما عاب نفسه، وقيل: لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة، قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: لا يطعن بعضكم على بعض، وبه قال ابن عباس، وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضاً.