ولما كتب"هذا ما صالح محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك ، اكتب محمد بن عبد الله. فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون ، فمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالإجابة فكتب"هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله ، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن ، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم"فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم ، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً. فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي صلى الله عليه وسلم وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح. وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله. وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة. وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم ، والفتاح القاضي ، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله. قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال {ما أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا} [محمد: 38] إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد. وأيضاً لما قال {وأنتم الأعلون} [محمد: 35] بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله {وتدعوا إلى السلم} [محمد: 35] إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.